فرنسا  | English

لا يزال الغموض يخيم على مستقبل أداء الاقتصاد العالمي مع وجود بعض المخاطر الأساسية منها اقتراب الهاوية المالية في الولايات المتحدة واحتمال مزيد من الضغوط من أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو واحتمال تباطؤ النمو في الاقتصاد الصيني من معدلاته العالية السابقة. غير أن تحليلات مجموعة QNB أظهرت أن منطقة مجلس التعاون الخليجي قادرة على استيعاب صدمة حادة ومستمرة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إن تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والصين سيكون له تداعيات على منطقة مجلس التعاون الخليجي، بشكل رئيسي من تراجع الطلب على النفط وتأثير ذلك على الأسعار في الأسواق. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن تباطؤ النمو في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنسبة %1 في الولايات المتحدة أو في منطقة اليورو ستصل تداعياته إلى منطقة مجلس التعاون الخليجي بعد ذلك بعام مما سيؤدي إلى تباطؤ النمو في الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بنسبة %0.4. كما أن تباطؤ النمو في الصين بنسبة %1 سيؤدي إلى تباطؤ النمو في مجلس التعاون الخليجي بنسبة %0.1.

 يذهب أكثر من %20 من صادرات مجلس التعاون الخليجي إلى الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ولذلك فإن تراجع الطلب بشدة من هذه المناطق وفي وقت متزامن يمكن يكون له تأثير قوي على صادرات منطقة مجلس التعاون الخليجي.

والأهم من ذلك أن تباطؤ النمو في المناطق الثلاث الكبرى، والتي تمثل %44 من استهلاك النفط و%35 من استهلاك الغاز حول العالم، في الغالب سيؤدي إلى انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية. وهذا سيكون له تأثير أقوي على عائدات صادرات دول مجلس التعاون الخليجي، مما سيؤدي إلى تقليص الفوائض في الحسابات الجارية والمالية ومن المحتمل أن يؤثر سلبا على مستويات النشاط الاقتصادي في المنطقة.

وخلال ركود الاقتصاد العالمي في عام 2009، تراجع متوسط سعر النفط الخام بنسبة %37، في حين انخفض سعر الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الفورية بنسبة %27. وفضلاً عن تراجع عائدات التصدير، انكمش النمو في الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة مجلس التعاون الخليجي بنسبة %0.2 نظراً لتقليص إنتاج النفط بسبب تراجع الطلب والأسعار. ونتيجة لذلك تم تأجيل بعض خطط الاستثمار بسبب تدهور المناخ الاقتصادي.

غير أن الوضع في مجمل اقتصاد المنطقة يعتبر أفضل حالياً مما كان عليه في عام 2009، الأمر الذي سيساعد في تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة أي أزمات اقتصادية عالمية جديدة. فقد ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية باستمرار خلال السنوات الثلاث الماضية لتصل إلى 694 مليار دولار في يونيو 2012، وهو ما يغطي واردات المنطقة لمدة 20 شهراً. كما أن هذه الاحتياطيات مرتفعة بنسبة %47 عن الاحتياطيات التي بلغت 473 مليار دولار (تغطي 18 شهراً) في نهاية عام 2009. علاوة على ذلك، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن صناديق الثروة السيادية في المنطقة تمتلك أصولاً أجنبية يقترب مجموع قيمتها من تريليون دولار. لذلك فإن إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية والاحتياطيات الأجنبية تتجاوز %120 من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة مجلس التعاون الخليجي.

لكن بالنسبة للاقتصادات المحلية، فإن قدرتها على تحمل أزمات قد تراجعت. فبالرغم من أن زيادة الإنفاق الحكومي، خاصة زيادة الرواتب، ساهمت في تعزيز النمو في القطاع غير النفطي، إلا أن ذلك رفع من سعر التعادل للنفط (وهو سعر النفط المستهدف لتحقيق التعادل بين الإيرادات والنفقات في الموازنات العامة). ففي دولتي قطر والكويت ارتفع سعر التعادل بما يقارب 15 دولاراً للبرميل خلال الفترة 2008-12 بحيث بلغ 40 دولاراً للبرميل في قطر و50 دولاراً للبرميل في الكويت. أما بالنسبة لسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فإن سعر التعادل للنفط بلغ ما يقارب 80 دولاراً للبرميل. ورغم أن هذه المستويات لا تزال أقل من أسعار النفط الحالية والتي تتجاوز 100 دولار للبرميل، إلا أن مجموعة QNB ترى أن استمرار التراجع في أسعار النفط يمكن أن يدفع بعض دول مجلس التعاون الخليجي إلى تقليص الإنفاق والذي من الممكن أن يؤدي إلى تباطؤ النمو في القطاع غير النفطي.

 قدم صندوق النقد الدولي مؤخراً تحليلاً لوضع الحساب المالي والخارجي لدول مجلس التعاون الخليجي في حال تراجع سعر النفط بمعدل 30 دولاراً للبرميل بحيث يصل إلى متوسط 70 دولاراً للبرميل في عام 2013، على أن يستمر الانخفاض في أسعار النفط وتصل إلى 60 دولاراً للبرميل في عام 2017. وترى مجموعة QNB ضرورة الأخذ في الاعتبار أن هذا السيناريو الذي يقدمه صندوق النقد الدولي هو سيناريو مستبعد جدا وقد يتطلب سلسلة من الأزمات الاقتصادية مثل تعثر دول منطقة اليورو في سداد ديونها السيادية بشكل متتابع، وفي نفس الوقت فشل الإدارة الأميركية في تجاوز الهاوية المالية وحدوث أزمة ائتمانية حادة في الصين. إن حدوث مثل هذه الأزمات مجتمعة وفي المستقبل القريب يمكن أن يكون كافياً لتراجع أسعار النفط لفترة طويلة ليصل إلى مستوى 60 دولاراً للبرميل. لكن، على النقيض، تتوقع مجموعة QNB استقرار أسعار النفط حول مستوى 110 دولارات للبرميل خلال عام 2013.

ويقدر صندوق النقد الدولي أن سيناريو انخفاض أسعار النفط سيؤدي إلى تراجع تدريجي في فوائض الحساب الجاري لمنطقة مجلس التعاون الخليجي إلى أن تتوقف المنطقة عن تحقيق فوائض بحلول عام 2017، في حين أن هذه الفوائض تبلغ حاليا %25 من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة.

غير أن تحليل صندوق النقد الدولي يفترض عدم حدوث أي تغيير في مستويات إنتاج وصادرات النفط والغاز نتيجة لتراجع الأسعار. في حين أن مجموعة QNB ترى أن تراجع أسعار النفط غالباً ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج والصادرات حيث تتدخل منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك لتقليص حصص الإنتاج أو تضغط لتحقيق الالتزام بحصص الإنتاج المقررة. وقد تراجع إنتاج النفط من دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة %8 في عام 2009، وهو العام الذي شهد أحدث تراجع كبير في أسعار النفط. لكن جزء من التراجع في إنتاج وصادرات النفط والغاز سيتم تغطيته من خلال انخفاض الواردات من السلع والخدمات نتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي. ونتيجة لذلك، سيكون العجز في الحساب الجاري في منطقة مجلس التعاون الخليجي أكبر مما يتوقعه تحليل صندوق النقد الدولي. وتشير تقديرات مجموعة QNB إلى أن العجز في الحساب الجاري سيبلغ %10 من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2017.

 واعتماداً على افتراض انخفاض أسعار النفط، فإن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن الحساب المالي سيتحول من تحقيق فائض بنسبة %10 من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة إلى عجز بنسبة %10، حيث ستواجه جميع دول المنطقة عجزاً في حساباتها المالية. وهذه التقديرات تتوافق مع تقديرات مجموعة QNB، حيث أن انخفاض إنتاج النفط سيؤثر على الإيرادات المالية. كما أن صندوق النقد الدولي يفترض استمرار خطط الإنفاق دون تغيير، غير أن معدلات الإنفاق ستتأثر، مما يغطي جزءاً من التراجع في عائدات النفط.

 وترى مجموعة QNB أيضاً أن تراجع أسعار النفط ستؤثر على معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة، حيث أن تراجع إنتاج النفط والغاز سيؤدي إلى توقف النمو في قطاع النفط والغاز، في حين أن تراجع أسعار النفط والقيود على الإنفاق والاستثمارات الحكومية ستضغط على النمو، خاصة في القطاع غير النفطي.

  arGCCIsolated_graph1

لكن، طبقاً لتحليلات كل من صندوق النقد الدولي ومجموعة QNB، فإن الأصول الأجنبية لدول مجلس التعاون الخليجي ستكون كافية لمواجهة أي أزمة اقتصادية جديدة، حتى في سيناريو التراجع الشديد في أسعار النفط.