فرنسا  | English

تتوقع تحليلات مجموعة QNB أن يواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما تحديات اقتصادية خلال ولايته الثانية أكبر من تلك التي واجهها في ولايته الأولى. وقد بدأت ولايته الأولي في خضم الأزمة المالية العالمية بينما تبدأ ولايته الثانية مع مخاطر حدوث أزمة مالية جديدة في الولايات المتحدة أو ما أصبح يُسمى بـ "الهاوية المالية". وإلى أن يتمكن الكونغرس الأميركي من التوصل إلى اتفاق، سيدخل حيز التنفيذ بصورة آلية في مطلع عام 2013 إجراءات لتخفيض الإنفاق العام وإلغاء لإعفاءات ضريبية يصل مجموعها إلى 600 مليار دولار. وتشير تقديرات مكتب الموازنة التابع للكونغرس إلى أن الدخول في الهاوية المالية سيؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة %4، الأمر الذي سيعيد الاقتصاد الأميركي إلى حالة الركود من جديد.

ويتطلب الارتفاع في مستويات الدين الحكومي اتخاذ بعض إجراءات الإصلاح المالي، حيث بلغ حجم الدين على الحكومة الاتحادية 16.2 تريليون دولار في نهاية أكتوبر 2012، وهو مستوى قريب من سقف الاقتراض المسموح به عند 16.4 تريليون دولار والذي تم تحديده في أغسطس 2011. ومن المحتمل أن يؤدي استمرار الارتفاع في مستويات الدين، والتي تجاوزت بالفعل %100 من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، إلى قيام مؤسستي التصنيف الائتماني موديز وفيتش بتخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة خلال عام 2013.

وكان الاقتصاد الأميركي يشهد حالة ركود متواصلة عندما دخل الرئيس أوباما البيت الأبيض في عام 2009 حيث أثرت تداعيات الأزمة المالية على مختلف القطاعات الاقتصادية. وارتفعت مستويات الدين الحكومي بشدة نتيجة للجهود التي استهدفت دعم القطاع المالي وتوفير وظائف جديدة لتحفيز الاقتصاد. وأدى ذلك إلى ارتفاع الديون إلى معدل %103 من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل المعدل إلى %107 بنهاية عام 2012.

وخلال ولاية أوباما الأولى لم يتمكن الكونغرس من الاتفاق على سياسة مالية لتخفيض العجز في الموازنة والسيطرة على الدين العام، الأمر الذي سيؤدي إلى تطبيق إجراءات تخفيض الإنفاق وزيادة الضرائب مع بداية عام 2013 بصورة آلية. وترى مجموعة QNB أن الانتخابات الأميركية لم تؤدي إلى تغيير في التركيبة السياسية التي تحكم السياسة المالية، حيث يظل أوباما رئيساً للولايات المتحدة ويستمر الديمقراطيون في السيطرة على مجلس الشيوخ، بينما يحتفظ الجمهوريون بسيطرتهم على مجلس النواب.

يؤدي هذا إلى استمرار الوضع الراهن من عدم وجود اتفاق سياسي، وهو ما يؤدي بدوره إلى تأجيل الإصلاح المالي في الولايات المتحدة. وقد أصبح من الضروري لاستمرار التعافي في الاقتصاد الأميركي اتخاذ إجراءات لتقليص الدين الحكومي. لكن مع استمرار الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين حول طبيعة هذه الإجراءات، وبشكل أساسي ما بين إجراءات تخفيض الإنفاق أو زيادة الضرائب، فقد تأجلت محاولات الإصلاح المالي. ولذلك من المحتمل أن يتم تمديد جزئي للإعفاءات الضريبية وتأجيل العمل بإجراءات تخفيض الإنفاق في بداية 2013. لكن هذا سيؤدي أيضاً إلى زيادة مستويات الدين الحكومي ويتطلب زيادة سقف الاقتراض المسموح به.

وتتزايد احتمالات قيام واحدة على الأقل من كبرى مؤسسات التصنيف الائتماني بتخفيض التصنيف السيادي للولايات المتحدة خلال عام 2013 بسبب حالة عدم اليقين الناتجة عن عدم وجود اتفاق سياسي وارتفاع المخاطر من زيادة الدين العام وعدم وجود خطط ذات مصداقية لتخفيض العجز في الموازنة على المدى المتوسط.

وقد حقق الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في الولايات المتحدة معدل نمو سنوي بلغ %0.8 منذ عام 2008، وهو معدل أدنى من معدل النمو في الاقتصادات الناشئة، لكنه يظل أعلى من النمو في الاقتصادات المتقدمة والتي بلغت %0.6 وأعلى بكثير من اقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي انكمش بنسبة %0.2 سنوياً منذ ذلك الحين. وترى مجموعة QNB أن هذه البيانات توضح أن أداء الاقتصاد الأميركي كان أفضل بالمقارنة مع غيره من الاقتصادات المتقدمة خلال ولاية الرئيس أوباما الأولى. كما يعتبر أداءً قوياً إذا أخذنا في الاعتبار أن الأزمة المالية العالمية جاء معظمها من الولايات المتحدة. وسواء جاء ذلك نتيجة لسياسات أوباما أو بفضل آليات الاقتصاد الأميركي والمرونة في سوق العمل، فإن النقاش يظل مفتوحاً.

أما من ناحية السياسة النقدية، فقد استمر الرئيس أوباما خلال ولايته الأولي في تطبيق سياسة "التخفيف الكمي" أو توسيع الميزانية العمومية للمصرف المركزي من خلال شراء أصول مالية عن طريق طباعة أوراق نقدية جديدة. ويُعتبر رئيس الاتحادي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي من أكبر المناصرين لهذه السياسة حيث قام أوباما بإعادة تعيينه في عام 2010 ومن المتوقع أن يُعيد تعيينه مرة أخرى في نفس المنصب في عام 2014 أو يقوم بتعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي يميل إلى سياسة التوسع النقدي.

 وترى مجموعة QNB أن إعادة انتخاب الرئيس أوباما يزيد من احتمالات الاستمرار في سياسية التوسع النقدي مثل عمليات التخفيف الكمي وهي العمليات التي ربما كان لها تأثيرات ايجابية. فقد استطاع الاتحادي الفيدرالي الحفاظ على معدلات الفائدة عند مستويات منخفضة من خلال شراؤه سندات الخزانة الأميركية، وهذا ساعد في دعم سوق العقارات، حيث ارتفع عدد المنازل الجديدة التي تم البدء في إنشاءها من متوسط 554 ألف منزل في عام 2009 إلى 745 ألف منزل بحلول سبتمبر 2012. ويجادل البعض أيضاً بأن عمليات التخفيف الكمي كان لها تأثير ايجابي في سوق العمل من خلال الحفاظ على معدلات الفائدة منخفضة مما شجع الاستثمار. وبالنظر إلى بيانات سوق العمل، فإن الاقتصاد الأميركي استطاع استعادة 4.5 مليون وظيفة من الوظائف التي فقدها خلال الفترة بين ديسمبر 2007 وبداية عام 2010 والتي بلغ عددها 8.7 مليون وظيفة. وتشير التقديرات إلى حاجة الاقتصاد الأميركي إلى توفير 176 ألف وظيفة شهرياً خلال العامين القادمين لاستعادة الوظائف التي فقدها فقط، في حين سيحتاج الاقتصاد الأميركي إلى معدلات أعلى من ذلك لكي يوفر وظائف للداخلين الجدد إلى سوق العمل. وتُظهر بيانات شهر أكتوبر 2012 أن الاقتصاد أضاف 171 ألف وظيفة خلال ذلك الشهر والذي شهد مستوى أعلى من الوظائف الجديدة مقارنة مع الأشهر القليلة الماضية.

arObamafaces 

 وترى مجموعة QNB أن توسيع القاعدة النقدية من خلال عمليات التخفيف الكمي ساهم أيضاً في تراجع قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى وهو ما عزز من تنافسية الصادرات الأميركية وبالتالي ساهم في تعزيز قدرة الشركات الأميركية على التعافي. وقد ارتفع مؤشر مدراء المشتريات، وهو مؤشر رئيسي على نشاط الشركات، من 33.1 نقطة في ديسمبر 2008 إلى 51.7 نقطة في أكتوبر 2012. لكن المؤشر لا يزال أعلى بشكل طفيف من مستوى 50 نقطة الذي يعتبر الحد الفاصل بين حالتي النمو والانكماش في أعمال الشركات.

وانعكست التوقعات باستمرار سياسة التخفيف الكمي في الارتفاع القوي في أسعار الذهب عندما بدأ يتأكد فوز أوباما بفترة رئاسة ثانية. وقفز سعر الذهب بنسبة %1 ليصل إلى 1,731 دولاراً للأوقية حيث تميل أسعار الذهب إلى الارتفاع نتيجة لانخفاض أسعار الفائدة وتراجع قيمة الدولار. كما يعتبر الذهب وسيلة للتحوط ضد التضخم والذي من المتوقع أن يرتفع بسبب زيادة العرض النقدي من خلال عمليات التخفيف الكمي. كما أن أسواق الأسهم تميل إلى التفاعل الايجابي مع عمليات التخفيف الكمي والتي ترى فيها دعماً للاقتصاد.

 وبشكل عام، يبدو أن زيادة الوظائف وتحسن الأوضاع في سوق العقارات وأسواق الأسهم وتعافي الاقتصاد وبيئة الأعمال انعكس إيجابا على ثقة المستهلكين خلال ولاية أوباما. وقد ارتفع مؤشر ثقة المستهلكين من 38.6 نقطة في نهاية 2008 إلى 72.2 نقطة في أكتوبر 2012، مستعيداً مستويات لم يشهدها منذ فبراير 2008 نتيجة لحالة التفاؤل بين المستهلكين. وترى مجموعة QNB أن هذه الحالة ربما عززت من موقف الرئيس أوباما في الانتخابات الأخيرة، غير أن الرئيس أوباما يمكن أن يواجه تحديات كبيرة خلال فترة ولايته الثانية بسبب تداعيات عمليات التخفيف الكمي على المدى البعيد من زيادة التضخم والتوتر في أسواق المال، بالإضافة إلى زيادة المخاطر من الهاوية المالية وأزمة سقف الاقتراض المسموح به.