فرنسا  | English

تلاشت حالياً حالة التفاؤل بتعافي قوي في الاقتصاد الأميركي والتي كانت سائدة مطلع هذا العام. ويرى تحليل مجموعة QNB أن هذا التراجع يأتي نتيجة لسلسلة من المؤشرات الاقتصادية المخيبة للآمال، غير أن الصورة ليست سيئة إلى الحد الذي يتطلب مزيد من إجراءات التحفيز الاقتصادي وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي صدرت مؤخراً.

 قام الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض توقعاته للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة بمعدل نصف نقطة مئوية لتصبح في نطاق من %1.9 إلى %2.4، حيث جاء هذا التخفيض بعد أن تباطأ النمو الاقتصادي خلال الربع الأول من العام الجاري إلى معدل سنوي بلغ %1.9. ورغم أن هذا المعدل لا يزال جيداً مقارنة مع الوضع في أوروبا التي دخلت في حالة من الركود الاقتصادي، إلا أنه ليس من المتوقع أن يُمكِن الاقتصاد الأميركي من توفير الوظائف المطلوبة لتحسين الوضع في سوق العمل. ولذلك فقد قام الاحتياطي الفيدرالي بزيادة توقعاته حول معدلات البطالة في نهاية هذا العام لتصل إلى %8.1، وهو معدل يقارب المعدل الحالي عند %8.2 الذي تم تسجيله في نهاية شهر مايو.

arUS RECOVERY SAGS_Graph1 

هناك تباين في أداء القطاعات المختلفة من الاقتصاد الأميركي، حيث أن الحكومة تعمل على تقليص الإنفاق للسيطرة على العجز في الموازنة والذي بلغ %8.7 من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011. وتنطوي هذه العملية على تخفيض عدد الموظفين في القطاع العام. ومن جانب آخر، يستمر النمو في قطاع الشركات مما يوفر مزيداً من الوظائف، لكن ليس بنفس المعدل الذي يأمله الاقتصاديون.

 تباطأت عملية توفير فرص عمل خلال الأشهر القليلة الماضية حيث تم توفير 69,000 وظيفة، ما عدا وظائف القطاع الزراعي، خلال شهر مايو والذي كان رابع شهر على التوالي يشهد تراجعاً في عدد الوظائف الجديدة، وهذا بالمقارنة مع ذروة عملية التوظيف في شهر يناير الذي شهد 275,000 وظيفة جديدة. وخلال شهر مايو، قام القطاع الخاص بتوفير 82,000 وظيفة في حين قام القطاع العام بتسريح 13,000 موظف.

 وخلال الفترة بين عامي 2008-10 تم تسريح أكثر من ثمانية ملايين موظف، في حين أنه منذ بدء التعافي في سوق العمل في أكتوبر 2010 تم توظيف أقل من ثلاثة ملايين شخص، وهذا يفسر استمرار معدلات البطالة بالقرب من مستوياتها التاريخية حتى الآن.

 بلغ مؤشر مدراء المشتريات، وهو مؤشر أساسي يقيس نشاط الشركات، مستوى 53.5 نقطة في شهر مايو وهو معدل أقل بشكل طفيف عند مستوى شهر ابريل، إلا انه لا يزال فوق مستوى 50 نقطة والذي يعتبر الحد الفاصل بين النمو أو الانكماش في نشاط الشركات.

arUS RECOVERY SAGS_Graph2

كما أن مؤشر ثقة المستهلكين المرجعي تراجع قليلاً عن ذروته ليسجل 64.9 نقطة في شهر مايو، إلا أنه لا يزال قوياً مقارنةً بالمعدلات التي سجلها خلال السنوات القليلة الماضية. في حين أن مؤشر آخر لثقة المستهلكين قامت بتطويره جامعة ميتشجن سجل في شهر مايو أعلى مستوى له في خمس سنوات، لكنه تراجع بشدة في شهر يونيو إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، ليتوافق بذلك مع مؤشرات ثقة المستهلكين الأخرى.

غير أن مستويات ثقة المستهلكين هذه لم تنعكس بعد على نمو مبيعات التجزئة التي تراجعت خلال شهر مايو بنسبة %0.2 مقارنة مع شهر مايو من العام الماضي. وساهم تراجع أسعار الوقود في انخفاض معدل التضخم السنوي خلال شهر مايو إلى %1.7، وهو أدنى مستوى في 16 شهراً. ومن المتوقع أن يدعم هذا التراجع القدرة الشرائية للمستهلكين ويزيد من النمو في مبيعات التجزئة.

هناك أيضاً تعافي معتدل في سوق العقارات السكنية حيث أدى انخفاض الأسعار وتدني معدلات الفائدة إلى تشجيع المشترين. وارتفع عدد المنازل التي تم البدء في إنشائها خلال شهر أبريل إلى مستوي جيد وفي حال استمراره عند نفس المعدل لمدة عام فإن عدد المنازل قيد الإنشاء سيصل إلى 744,000 منزل في العام، وهذا أعلى معدل للمنازل قيد الإنشاء منذ شهر أكتوبر 2010، غير أنه يظل أدنى بكثير من المتوسط السنوي الذي بلغ مليوني منزل خلال عامي 2005-06. لكن بالرغم من هذا التعافي، لا يزال هناك عدد كبير من المنازل التي تعثر ملاكها في سداد الرهن العقاري وبالتالي تضغط على سوق العقارات.

 يبدو الاقتصاد الأميركي بشكل عام في وضع ليس قوياً بدرجة كافية للسيطرة على مشكلة البطالة، وفي نفس الوقت ليس ضعيفاً إلى المستوى الذي يتطلب تدخل حكومي سريع. وانعكس هذا الوضع في قرارات الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه في 20 يونيو، حيث أعاد التأكيد على استمرار معدلات الفائدة عند مستويات تقترب من الصفر حتى عام 2015 وقرر توسيع برنامجه لاستبدال السندات قصيرة الأجل بسندات تستحق بعد فترات أطول للعمل على تخفيض مستويات الفائدة على المدى الطويل وبالتالي تشجيع الاقتراض والاستثمار.

 لكن قدرة الحكومة الاتحادية على الاقتراض لدعم النمو الاقتصادي تعتبر محدودة نظراً لاقتراب مستويات الدين من السقف المسموح به وبالتالي ستحتاج موافقة الكونغرس لزيادة هذا السقف. كما أن عام 2013 سيشهد تطبيق مجموعة من الضرائب الجديدة وتقليص في الإنفاق الحكومي والتي تم الاتفاق عليها في المفاوضات السابقة لزيادة سقف الدين. وهذه الإجراءات سيكون لها تأثير سلبي على الناتج المحلي الإجمالي.

رغم هذه المشاكل التي تواجه الاقتصاد الأميركي، إلا أن مجموعة QNB ترى أنه لا يزال في وضع أفضل بالمقارنة مع الاقتصاديات المتقدمة الأخرى. ويظهر هذا الوضع بوضوح في أداء أسواق الأسهم. فرغم تراجع الأسواق مؤخراً، إلا أن الأسواق الأميركية لا تزال مرتفعة مقارنة مع بداية العام الجاري، في حين أن أسواق الأسهم الأوروبية تراجعت منذ بداية العام. علاوة على ذلك، حافظ الدولار على قوته مقابل العملات الأخرى ولا يزال يعتبر ملاذ آمن نظراً للتطورات التي تشهدها منطقة اليورو.

 وفي حال تدهور الوضع الاقتصادي في أوروبا أو الأسواق الناشئة وأثر على النمو الاقتصادي الأميركي إلى مستويات أدنى من النطاق الذي يتوقعه الاحتياطي الفيدرالي، فإن مجموعة QNB ترى أن الاحتياطي الفيدرالي سيتخذ مزيد من الإجراءات لدعم الاقتصاد الأميركي. ويمكن أن تشمل جولة جديدة من التخفيف الكمي وضخ مزيد من السيولة إلى الاقتصاد عن طريق شراء مزيد من السندات بدلاً من الاكتفاء بتمديد فترات استحقاق محفظة السندات الحالية.