فرنسا  | English

أصبحت سياسات التقشف النقدية في أوروبا المحور الأساسي في انتخابات اليوم (6 مايو) التي تجري في كل من فرنسا واليونان. ويرى تحليل صادر عن مجموعة QNB أن هذه التطورات تأتي في إطار حملة متنامية في أرجاء أوروبا ضد إجراءات تخفيض العجز في الموازنات.

 جاءت سياسات التقشف – والتي تعتمد على تخفيض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب – ضمن جهود التعامل مع أزمة الديون السيادية في أوروبا والتي تجسدت في الاتفاقية النقدية التي وقعتها 25 دولة من دول الاتحاد الأوروبي (باستثناء المملكة المتحدة وجمهورية التشيك) والتي مازالت تنتظر التصديق عليها. وتتطلب الاتفاقية تطبيق الدول الأعضاء قواعد صارمة لتحقيق التوازن في موازناتها العامة وإلا واجهت غرامات، بالإضافة إلى تقليص مستويات الدين العام إلى %60 من الناتج المحلي الإجمالي على مدار 20 سنة.

 عقب الاتفاق على هذه الاتفاقية، تلقت منطقة اليورو دعماً خلال الأشهر القليلة الماضية عندما قدم البنك المركزي الأوروبي حوالي تريليون دولار من خلال برنامجين لتوفير تسهيلات ائتمانية للبنوك لمدة ثلاث سنوات بمعدل فائدة يبلغ %1. ساهمت هذه الخطوة بشكل مؤقت في تخفيف المخاوف حول مستويات السيولة في القطاع المصرفي الأوروبي وساعدت على تقليص معدلات الفائدة على السندات الحكومية، فضلاً عن دعم الارتفاع في أسواق الأسهم.

 غير أن صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية السلبية ، بما في ذلك ضعف الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات البطالة في بعض الدول خلال الربع الأول من العام الجاري، أدت إلى تراجع موجة التفاؤل هذه. وعلاوة على ذلك، أدى تراجع المخاوف من التعثر في سداد الديون السيادية واحتمالات انهيار منطقة اليورو إلى تخفيف الضغوط السياسية للعمل على تقليص العجز في الموازنات. ونتيجة لذلك بدأ الطرح السياسي يتحول بشكل متزايد إلى تناول الصعوبات التي سببتها السياسات التقشفية والإصلاحات الهيكلية.

 ويرى منتقدي السياسات التقشفية أنها تعرقل تعافي الاقتصاد الأوروبي من حالة الركود، وبالتالي من الممكن أن تُعيق تحقيق أهدافها الرامية إلى تخفيض العجز. ومن بين هؤلاء المنتقدين للسياسات التقشفية جوزيف ستيغليتز، وهو كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، والذي حذر مؤخراً من خطورة السياسات الأوروبية نظراً لعدم نجاح أيٍ من السياسات التقشفية السابقة في الدول الكبرى.

 وفي نفس يوم هذه التصريحات، قامت مؤسسة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني بتخفيض التصنيف السيادي لأسبانيا درجتين إلى BBB+، وذلك بعد أن قامت بمراجعة وتخفيض توقعاتها للناتج الحلي الإجمالي في اسبانيا هذا العام من نمو متوسط إلى انكماش بنسبة %1.5. وحذرت المؤسسة من أن سياسات التقشف ستؤدي إلى استفحال المخاطر على نمو الاقتصاد الاسباني على المدى المتوسط.

 وتواجه اسبانيا صعوبات كبيرة، خاصة في استعادة النمو إلى اقتصادها والذي يواجه حالة الركود من جديد مع ارتفاع العجز إلى %8.5 من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت بيانات جديدة ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية عند %24.4 وأن البطالة بين الشباب تجاوزت ضِعف هذا المستوى. نتيجة لهذا تتجه معدلات الفائدة على الديون الاسبانية (وبالمثل على الديون الايطالية) إلى الاقتراب مجدداً من مستوى %6 والذي لا يمكن استمراره.

وخلال الأسبوع الأخير من شهر ابريل، سقطت حكومتي رومانيا وهولندا نتيجة للتصويت على سحب الثقة منهما. وجاء ذلك بعد انشقاق أعضاء من التحالفين الحاكمين لمعارضتهم السياسات التقشفية التي لا تلقى شعبية بين الناخبين.

 تتجه الأنظار حالياً إلى انتخابات اليوم. وقد مرت اليونان خلال السنوات القليلة الماضية بأقصى السياسات التقشفية، حيث تسعى إلى إصلاح القطاع الحكومي المترهل والوصول بمعدلات العجز في الموازنة إلى المستويات المطلوبة والتي كانت شرطاً من أجل الحصول على أموال الإنقاذ لإعادة تمويل ديونها. وواجهت اليونان موجة من الإضرابات للتعبير عن معارضة هذه السياسات.

وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن تنامي التأييد للأحزاب المُعارِضة للسياسات التقشفية يمكن أن يمنع التحالف الذي يضم أكبر حزبين من الحصول على الأغلبية في البرلمان. ورغم الخلافات العميقة بين هذين الحزبين في السابق، إلا أنهما اضطرا إلى التحالف حالياً للحصول على برامج الإنقاذ من الاتحاد الأوروبي والتي تتطلب تطبيق سياسات تقشفية. ومن الممكن أن تؤدي الأزمة السياسية في اليونان إلى انهيار برنامج الإنقاذ وعودة المخاوف من خروج اليونان من اليورو.

 وفي فرنسا، وهي ثاني اقتصاد في أوروبا، تُشير استطلاعات الرأي إلى أن المرشح الاشتراكي فرانسوا هولاند سيفوز على الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي. وقد طالب السيد هولاند بإعادة التفاوض على الاتفاقية النقدية الأوروبية لإضافة بنود جديدة تهدف إلى تعزيز النمو وتوفير وظائف، مثل إصدار سندات مشتركة لتمويل مشاريع البنية التحتية. ورغم أنه لا يعتزم التخلي بالكامل عن السياسات التقشفية، إلا انه يقود التحول في الطرح الأوروبي نحو سياسات تسعى إلى تعزيز النمو الاقتصادي على المدى القصير.

 ولم يلقى اقتراح السيد هولاند لمراجعة الاتفاقية ترحيب الدول التي دعمت هذه الاتفاقية. لكن الأوساط السياسية في دول الاتحاد الأوروبي تبدو منفتحة على تطبيق بعض مقترحاته المتعلقة بتعزيز النمو الاقتصادي من خلال قنوات أخرى.

 فقد أشار محافظ البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي إلى الحاجة لاتفاقية منفصلة لدعم النمو الاقتصادي، في حين طرح رئيس المجلس الأوروبي هرمان فان رومبوي فكرة عقد اجتماع طارئ لرؤساء الحكومات لمناقشة استراتيجيات النمو الاقتصادي. وهذا يعكس التحول في التوجهات الأوروبية من السياسات التقشفية إلى سياسات تركز على النمو.

 ويتوقع صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له حول مستقبل الاقتصاد العالمي ألا تحقق منطقة الاتحاد الأوروبي ككل أي نمو اقتصادي خلال عام 2012، مع تحقيق ألمانيا نمو بمعدل %3.3 في مقابل انكماش اقتصادي في بعض الدول مثل ايطاليا واسبانيا واليونان. ويتوقع أن تظل معدلات النمو أدنى بكثير من المستويات التي بلغتها قبل الأزمة المالية العالمية خلال السنوات المقبلة. كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلع العجز في الاتحاد الأوروبي هذا العام نسبة %3.8 من الناتج المحلي الإجمالي– حيث ستعاني جميع دول الاتحاد الأوروبي من العجز بمعدلات تتراوح من %0.8 في ألمانيا إلى %8.5 في ايرلندا.

 ويبدو أن الأسابيع المقبلة ستكون عاصفة بالنسبة للوضع الاقتصادي في أوروبا، بغض النظر عن نتائج الانتخابات في اليونان وفرنسا. على أية حال، يرى تحليل مجموعة QNB أن هناك إدراك متنامي بأنه حتى إن لم يكن من الممكن تجنب السياسات التقشفية، فإن هناك حاجة للتخفيف من تداعياتها ودعم النمو الاقتصادي، وهذا سيحتاج إلى تحقيق توازنات صعبة.