فرنسا  | English

كشفت تحليلات مجموعة QNB أن فصل الصيف أتى ببيانات اقتصادية أدت إلى انحسار حالة التفاؤل حول قدرة الاقتصاد الصيني في تحقيق نمو قوى خلال النصف الثاني من العام الجاري. 

يشهد الاقتصاد الصيني حالة من تباطؤ معدلات النمو بشكل متواصل منذ بداية عام 2010، لكن المحللين كانوا يأملون في قدرة الاقتصاد الصيني على تحويل هذا المسار. غير أن مؤشرات اقتصادية رئيسية مثل بيانات التجارة ومؤشرات مديري المشتريات ومستويات الإنتاج الصناعي جاءت مخيبة لهذه الآمال بالرغم من جهود تحفيز الاقتصاد، الأمر الذي يعكس استمرار التباطؤ في النمو خلال الربع الثالث من العام. ورغم هذا الوضع، يرجع معظم التباطؤ في الاقتصاد الصيني إلى عوامل خارجية في حين يظل السوق الداخلي قوياً نسبياً وهناك مؤشرات على استمرار النمو الاقتصادي القوي في غرب الصين. 

جاءت أحدث البيانات المخيبة للآمال من تراجع قيمة مؤشرات مديري المشتريات في شهر أغسطس. وتعتمد هذه المؤشرات على استطلاع لتوجهات الشركات يتناول عدة عناصر مثل طلباتهم من المواد الأولية ومستويات الإنتاج وخطط التوظيف. ومن أهم هذه المؤشرات هو المؤشر الرسمي لمديري المشتريات في الشركات الصناعية والذي انخفض إلى مستوى 49.2 نقطة. وهذه هي ثاني مرة منذ شهر فبراير من عام 2009 يتراجع فيها المؤشر دون حاجز الـ 50 نقطة وهي النقطة الفاصلة بين حالة النمو وحالة الانكماش.

PMI AR

كما أن مؤشر آخر لمديري المشتريات، يصدر عن بنك HSBC، كان متراجعاً في منطقة الانكماش لمدة عام تقريباً، وواصل تراجعه إلى 47.6 نقطة في شهر أغسطس. الأمر المثير للقلق هو أن البيانات الخاصة بالطلبات الجديدة في مؤشر مديري المشتريات جاءت منخفضة بشدة، كما أن بيانات المخزون لدى الشركات بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق منذ إنشاء المؤشر في عام 2004، الأمر الذي يوضح أن قطاع الشركات الصناعية يُنتج بمعدلات أكبر بكثير من مستويات الطلب وأن الشركات ستتجه إلى تخفيض الإنتاج بشكل أكبر في المستقبل لأنه ليس من المتوقع زيادة مستويات المخزون من الإنتاج لديها.

جاءت بيانات أخرى سلبية أيضاً مثل مؤشر بيئة الأعمال ومعدلات استهلاك الكهرباء. وتراجع معدل النمو في الإنتاج الصناعي خلال أغسطس إلى %8.9 وهو أدنى معدل خلال أكثر من ثلاث سنوات. كما أن معدل النمو في الصادرات خلال أغسطس بلغ %2.6 فقط مقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي. وبالرغم من أن معدل النمو في الصادرات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام بلغت %7.1، إلا أنها تظل أدنى بكثير من معدل نمو الصادرات في عام 2011 والذي بلغ %20. وكان التراجع في الصادرات إلى أوروبا خلال فصل الصيف بسبب انخفاض الطلب مؤثراً بقوة في تراجع نمو الصادرات. 

وتتباطأ معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في الصين باستمرار منذ أن بلغت ذروتها عند %12.1 خلال الربع الأول من عام 2010. وتباطأ معدل النمو إلى %7.6، وهو أدنى معدل للنمو خلال العقد الماضي، باستثناء النصف الأول من عام 2009. 

توقع العديد من المحللين منذ عدة أشهر عودة معدلات النمو في الصين إلى مستويات تتجاوز معدل %8 خلال النصف الثاني من العام الجاري، لكن هذه التوقعات تبدو مستبعدة حالياً ومن المتوقع أن يصل النمو خلال الربع الثالث في حدود %7. وحتى في حال استطاع الاقتصاد الصيني أن يحقق بعض التعافي خلال الربع الأخير من العام، فإن معدل النمو السنوي يمكن أن يأتي أقل بشكل طفيف من المستوى المُستهدف من الحكومة وهو %7.5.

 

يأتي معظم التباطؤ في الاقتصاد الصيني من المقاطعات الشرقية التي تعاني من انخفاض نمو الصادرات وتراجع القطاع العقاري. وشهدت مقاطعتي شنغهاي وبكين أدنى معدلات النمو على مستوى المقاطعات خلال النصف الأول من العام بنسبة %7.2، في حين حققت مقاطعة قوانغدونغ، وهي مركز صناعات التصدير، معدل نمو أعلى بقليل عند %7.4. وعلى النقيض شهدت المقاطعات في غرب ووسط الصين معدلات نمو قوية بقيادة مقاطعة غويزهو التي حققت نمواً بنسبة %14.5. ويأتي هذا النمو نتيجة لتوجه الشركات نحو المناطق الغربية من الصين للاستفادة من انخفاض أسعار الأراضي والعمالة الرخيصة، بالإضافة إلى الاستثمارات الحكومية في المقاطعات النامية. 

تأتي بعض الدلائل الايجابية من الطلب المحلي في الصين بوجه عام، حيث ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة %13.2 خلال شهر أغسطس مقارنة مع نفس الشهر من عام 2011، في حين بلغ معدل التضخم %2 فقط. ولذلك فإن معظم هذا النمو في مبيعات التجزئة جاء نتيجة لارتفاع الطلب وليس زيادة الأسعار. علاوة على ذلك، لا يزال مؤشر مديري المشتريات في شركات قطاع الخدمات، والذي يعتمد معظمة على الخدمات المحلية، في منطقة النمو، على العكس من قطاع الصناعة التي يرتبط أكثر بالطلب الخارجي. 

وعلى الرغم من تأكيدات الحكومة الواضحة عزمها دعم الاقتصاد، لا تزال جهود التحفيز الاقتصادي متواضعة بالمقارنة مع جهودها خلال عامي 2008-09 عندما أطلقت مبادرات بتكلفة بلغت ما يقارب 600 مليار دولار. وتتحرك الحكومة الصينية بخُطى حذرة كي تتجنب فقاعة القطاع العقاري من جديد.

كما أن اقتراب موعد المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني، والذي يُعقد كل خمس سنوات، في شهر أكتوبر يلعب دوراً في السياسات الحذرة في مواجهة الوضع الاقتصادي، حيث سيعقبه فترة من التحولات السياسية تستمر لعدة أشهر مع تقاعُد عدد كبير من زعماء الحزب الشيوعي لصالح جيل الشباب. 

كان التحرك الرئيسي الذي اتخذته الحكومة هو سرعة الموافقة على مشاريع تم التخطيط لها بالفعل ضمن الخطة الخمسية الثانية عشر (2011-15) مثل مشاريع البنية التحتية في قطاع المواصلات ومشاريع الطاقة المتجددة. وقد تم الموافقة على مجموعة كبيرة من المشاريع بقيمة 160 مليار دولار، تتضمن مشاريع لإنشاء 25 خط سكة حديدية، في الخامس من سبتمبر. 

كما أن المصرف المركزي قام بإجراءات لدعم الوضع النقدي وتحفيز الإقراض، حيث خفَّض سعر الفائدة الرسمي من %6.61 إلى %6 وهو أول تخفيض لسعر الفائدة منذ عام 2008، علاوة على تخفيف متطلبات الاحتياطي للبنوك. ومن المحتمل أن يتخذ المصرف المركزي إجراءات جديدة بسبب البيانات الاقتصادية الضعيفة في شهر أغسطس. 

ويبدو أن معدلات النمو القوية في الصين والتي تجاوزت مستوى %10 أصبحت من الماضي، على الأقل على المستوى المحلي. كان هناك دائماً تحذيرات من أن معدلات النمو المعتدلة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع شديد في معدلات البطالة في الصين، نظراً للحاجة إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة لامتصاص هجرة الفلاحين من المناطق الريفية إلى المُدُن. غير أن معدلات البطالة لم ترتفع هذا العام ربما بسبب تباطؤ النمو السكاني ومعدلات الهجرة.

GDP AR

إن السياسات التي ستتخذها القيادة الصينية الجديدة في الصين خلال عام 2013 ستحدد معدلات النمو السائدة في العقد المقبل والتي يتوقع المحللون أن تتراوح بين %6 و%9. ويرى تحليل مجموعة QNB أن هذا الوضع سيكون له آثار مهمة على الساحة العالمية، خاصةً فيما يتعلق بالطلب على السلع مثل المعادن. لكن في أغلب السيناريوهات سيظل الطلب الصيني على النفط والغاز قوياً بسبب استمرار النمو في استهلاك الكهرباء وارتفاع معدلات امتلاك السيارات من مستويات منخفضة جداً.