فرنسا  | English

ارتفع حجم الميزانيات العمومية لأكبر أربعة مصارف مركزية على مستوى العالم بمعدل 2.6 مرة خلال السنوات الخمس الماضية من 3.5 تريليون دولار في يناير عام 2007 إلى 9.1 تريليون دولار في مارس عام 2012، وذلك بمعدل نمو سنوي مركب بلغ %20. وخلال الفترة بين عامي 2000-07، كانت الميزانيات العمومية للمصارف المركزية في الدول المتقدمة تمثل ما بين %9 و%13 من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، غير أن هذا المعدل ارتفع منذ ذلك الحين ليتجاوز %20 من الناتج المحلي الإجمالي.

 جاء هذا التوسع السريع نتيجة لحدثين ضخمين هما الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وأزمة الديون السيادية الأوروبية في عام 2011.

 وقد ارتفع حجم الميزانيات العمومية لأكبر أربعة مصارف مركزية حول العالم بنسبة %60 خلال الأزمة المالية العالمية من 4.2 تريليون دولار في أغسطس عام 2008 إلي 6.8 تريليون دولار في ديسمبر من نفس العام. وكان أعلى معدل ارتفاع في الولايات المتحدة حيث ارتفعت الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي بنسبة %145 من 0.9 تريليون دولار إلى 2.2 تريليون دولار خلال تلك الفترة التي بلغت أربعة أشهر.

 قامت المصارف المركزية بتوسيع ميزانياتها العمومية لتوفير الأموال اللازمة لمواجهة موجة هائلة من عمليات تقليص مستويات الدين في الاقتصاد العالمي. واشترت المصارف المركزية أدوات الدين للمساعدة في إعادة التوازن لمستويات الديون. وقد حصل المستهلكون والبنوك والمؤسسات الاقتصادية والحكومات على قروض كبيرة خلال السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية. وعقب ذلك، أرغم التراجع الكبير في التسهيلات الائتمانية المتاحة هذه الجهات على تقليص ديونها، حيث اضطر المدينين إلى تخفيض مستويات ديونهم مقارنة مع الأصول التي بحوزتهم.

 وفي سبيل تخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي، اشترت المصارف المركزية أصول "غير تقليدية" (كانت في الغالب سندات حكوماتهم) ولعبت دور الملاذ الأخير من خلال تقديم سيولة للبنوك (غالباً عن طريق تخفيف الضمانات المطلوبة) بهدف تجنب الجمود في النظام المالي.

على سبيل المثال، قام الاتحادي الفيدرالي الأميركي خلال البرنامج الأول للتخفيف الكمي بزيادة موجوداته من ديون البنوك والأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية وسندات الحكومة الأميركية بقيمة تُقارب 1.3 تريليون دولار منذ بداية الأزمة المالية وحتى منتصف عام 2010. وتركزت معظم عمليات الشراء على الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية. وقام الاتحادي الفيدرالي في البرنامج الثاني للتخفيف الكمي بعمليات شراء بقيمة 0.6 تريليون دولار معظمها سندات الحكومة الأميركية طويلة الأجل خلال الفترة بين نوفمبر من عام 2010 ومنتصف عام 2011. كما أن بنك انجلترا المركزي أطلق برنامج للتخفيف الكمي بقيمة 0.5 تريلون دولار، تركز معظمها في شراء الديون الحكومية، بالإضافة إلى بعض ديون المؤسسات الخاصة عالية الجودة.

جاءت إجراءات المصارف المركزية كجزء من إجراءات حكومية كبيرة لتقديم الدعم المباشر للنظام المالي والاقتصاد العالمي. وتُشير حسابات صندوق النقد الدولي إلى أن قيمة عمليات الإنقاذ الحكومية خلال عام 2009 بلغت ما يقارب 12 تريليون دولار.

 عقب الأزمة المالية العالمية، شهدت الميزانيات العمومية لأكبر أربعة مصارف مركزية استقراراً خلال عامي 2009-10، حيث بلغ معدل النمو السنوي المركب %2.1. غير أنها شهدت ارتفاعاً متسارعاً بنسبة %22 منذ بداية العام الحالي وحتى شهر مارس، حيث أن أزمة الديون السيادية الأوروبية أدت إلى مزيد من الدعم الحكومي.

 وخلال الربع الأول من عام 2012، ارتفعت الميزانيات العمومية للمصارف المركزية في دول منطقة اليورو بنسبة %48. وقام المصرف المركزي الأوروبي بطرح برنامجين للتوسع، الأول هو برنامج سوق الأوراق المالية بحوالي 0.4 تريليون دولار، حيث وجه معظمها لشراء سندات الحكومة الايطالية والحكومة الاسبانية خلال عامي 2010-11. وجاء البرنامج الثاني خلال الفترة بين نهاية عام 2011 ومارس من العام الجاري وقام المصرف المركزي الأوروبي من خلاله بعمليات إعادة تمويل طويلة الأجل لمواجهة المخاوف من نقص السيولة عن طريق تخفيف شروط الضمانات. وحصلت البنوك الأوروبية على قروض مضمونة لمدة ثلاث سنوات بقيمة إجمالية بلغت 1.3 تريليون دولار.

 ولا تزال عملية توسيع الميزانيات العمومية للمصارف المركزية مستمرة حيث يدرس الاتحادي الفيدرالي الأميركي طرح جولة جديدة من إجراءات التخفيف الكمي وشراء المزيد من الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية. كما رفع المصرف المركزي الأوروبي مؤخراً حجم صندوق الإنقاذ إلى تريليون دولار وعلى استعداد لتوسيع ميزانيته العمومية في حال ظهرت أي أزمات ديون سيادية جديدة في المنطقة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفائدة على سندات الحكومة الاسبانية. وقد طالب أيضاً صندوق النقد الدولي المصرف المركزي الأوروبي باتخاذ مزيد من الإجراءات. وأيضاً من الممكن أن يدرس مصرف اليابان المركزي مزيد من الإجراءات لمواجهة الانكماش في الأسعار.

لكن هناك عدة مخاطر تنطوي عليها عملية توسيع الميزانيات العمومية للمصارف المركزية والتي بلغت معدلات غير مسبوقة.

 أولاً، ارتفاع حجم السيولة في النظام المالي يمكن أن يزيد من معدلات التضخم ويصبح خطراً على الاستقرار المالي. غير أن هذا الوضع ليس سلبياً بمجمله نظراً لأن ارتفاع التضخم سيؤدي إلى تقليص قيمة الديون الحالية وبالتالي سيساعد في مواجهة السبب الأساسي للازمة المالية المستمرة.

 ثانياً، ارتفاع كمية المعروض من السندات الحكومية والتي تُستخدم كوسيلة لزيادة الميزانيات العمومية للمصارف المركزية يمكن أن يؤدي إلى تقليص التسهيلات الائتمانية للقطاع الخاص، نظراً لأنه في حال استطاعت البنوك تحقيق أرباح سهلة من الفوائد على السندات الحكومية ستكون أقل استعداداً لتقديم قروض للقطاع الخاص.

 ثالثاً، توسيع الميزانيات العمومية للمصارف المركزية يمكن أن يربك أسواق المال العالمية حيث أن قيام المصارف المركزية بشراء السندات الحكومية يؤدي إلى زيادة الطلب عليها وبالتالي زيادة أسعارها وتراجع العائدات أو معدلات الفائدة على هذه الأدوات المالية. هذا سيؤدي إلى خفض معدلات الفائدة المرجعية، أو بمعنى آخر يقلص المخاطر، كما يؤدي إلى خفض تكلفة الاقتراض، وهو الأمر الذي سينتقل إلى المصارف المركزية الكبيرة ويؤدي إلى تراجع معدلات الفائدة في النظام المالي العالمي بشكل عام. هذه العملية ستؤدي إما إلى توسيع التسهيلات الائتمانية بشكل مُبالَغ فيه بسبب انخفاض تكلفة الاقتراض أو إلى تراجع مُبالَغ فيه في التعرض للديون حيث أن المصارف لن يكون لديها حافز قوي للإقراض. ويمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى مشكلة في السيولة حيث تحتفظ البنوك بالسيولة بدلاً من الإقراض لحماية نفسها ضد أي أزمات مالية جديدة في المستقبل.

 ومع استمرار المصارف المركزية الكبيرة في توسيع ميزانياتها العمومية، فإنها من الممكن أن تدعم الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي، لكنها من الممكن أن تؤدي إلى مشاكل أكبر على المدى البعيد.