فرنسا  | English

بدو الاقتصاد العالمي أكثر تعافياً في هذا الربيع عما كان عليه في نفس الفترة من العام السابق حين توقع عدد من المحللين بتفكك قد يحدث لمنطقة اليورو.  فقد انتعشت الأسواق خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تبدي مؤشرات إيجابية على التعافي، ويواصل المراقبون إعادة النظر في توقعاتهم حول النمو العالمي.  إلا أن هناك مخاطر مستجدة قد تقضي على هذه الرؤية المتفائلة حسب تحليلات لمجموعة QNB.  

هناك عاملين أساسيين ساعدا في رسم هذه النظرة المتفائلة لمنطقة اليورو بالقضاء على مخاوف انهيار الوحدة النقدية وحدوث كساد مؤلم في عام 2012. 

العامل الأول هو تراجع المخاوف التي كانت تتعلق باحتمال تعسر اليونان في الوفاء بديونها على نحو مشوب بالفوضوي ويؤدي إلى انتقال العدوى إلى دول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا.  لقد واجهت اليونان ديونا مرتفعة للغاية كانت مستحقة في أوسط شهر مارس من العام الحالي إلا أنها استطاعت الحصول على تمويلات جديدة تغطي هذه المديونيات وتمكنت من إعادة هيكلة دينها على نحو مقبول والذي وافق عليه معظم دائنيها.

العامل الثاني هو تراجع مخاوف تدني مستويات السيولة للنظام المصرفي لمنطقة اليورو عن طريق عملية ضخ ثانية لمبالغ ضخمة في شهر فبراير من قبل المصرف المركزي الأوروبي بما يزيد عن 500 مليار يورو في شكل قروض منخفضة الفائدة مدتها ثلاث سنوات.  وقد تم ضخ هذا المبلغ إضافتاً لمبلغ مماثل تم القيام به في شهر ديسمبر الماضي والذي استفاد منه عدد كبير من المؤسسات المالية الأوروبية. وعلاوتاً على ذلك فإن البنوك استخدمت جزء من هذه القروض لشراء سندات سيادية مما أدى إلى خفض العائد عليها وتدني تكلفة الاقتراض الحكومي.

وفي هذه الأثناء كان من الواضح في الصين منذ فترة طويلة بأن معدلات النمو العالية التي تحققت خلال العقد الأخير لن تستمر إلى ما نهاية.  وكان السؤال في الحقيقة هو متى سيحدث تباطأ النمو في الصين ومدى حدة هذا التباطؤ والارتدادات التي ستنعكس من ذلك على الاقتصاد العالمي.

لقد ترنحت الصين قليلا في عام 2009 بسبب انخفاض صادراتها ولكنها سرعان ما عوضت عن ذلك الانخفاض بالزيادة التي طرأت على الطلب والاستهلاك المحلي.  ولكن منذ ذلك التاريخ ظلت المخاوف قائمة فيما يتعلق بقطاعات الصناعة والإنشاءات والسوق العقاري في الصين.

وفي قراءة أولية لمؤشر HSBC لمدراء الصناعة والمشتريات الصيني، الذي يعتبر إحدى المؤشرات الرئيسية، انخفض المؤشر للمرة الثانية على التوالي في شهر مارس إلى مستوى 48.1.  وحيث تعتبر القراءات التي تقل عن 50.0 مؤشراً على الانكماش ظل هذا المؤشر يتراوح بين مستوى 48 إلى 50 منذ شهر يوليو، وهو ما يشير لوجود ركوض وإن لم يصل إلى مستوى أزمة.  ولو كان المؤشر قد انخفض إلى مستويات متدنية تصل إلى 46 لكان ذلك مؤشراً واضحاً لوجود مشكلات حقيقية حسب تحليلات مجموعة QNB.

تصاعد نمو قطاع الإنشاءات والأسعار العقارية منذ عام 2009 مدفوعة بتوسع حكومي في الائتمان بهدف تخفيف آثار الأزمة المالية على الاقتصاد الوطني.  وقد يؤدي انخفاض نمو الائتمان إلى هبوط حاد في أسعار العقارات يؤدي بدوره إلى تعسف المقترضين في سداد التزاماتهم، وبالتالي إلى حدوث تأثير سلبي على الاستثمار في الإنشاءات الجديدة. 

وللتغلب على هذه المخاوف عملت الحكومة الصينية على الحد من المضاربة في أسواق العقار بما في ذلك تحديد عدد المنازل التي يحق للفرد امتلاكها.  وتظهر أحداث الإحصائيات حدوث انخفاض في أسعار المنازل في 45 من أصل 70 مدينة كبرى في شهر فبراير، وذلك للشهر الخامس على التوالي التي تشهد فيه المدن الصينية الكبرى تدنياً طفيفاً في الأسعار.  والمرجو من ذلك هو أحداث تفريغ تدريجي للفقاعة العقارية بدلا من حدوثها بصورة مفاجئة.

وكان أحد المؤشرات الاقتصادية المشجعة هو حدوث تحسن في معدلات التضخم من 6.1% في سبتمبر من العام الماضي إلى 3.2% في فبراير 2012.  وهذا مؤشر إلى أن نمو الاقتصاد الصيني أخد في الاعتدال، مما يعطي الحكومة فرصة أوسع لتغيير منهج سياستها التوسعية مع الاحتفاظ بالقدرة على مراجعة هذه السياسة إذا تطلب الأمر.

شأن مستقل فإن هناك مخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى كبح النمو الاقتصادي في الصين وحول العالم.  لقد وصل متوسط سعر النفط خلال عام 2011 إلى رقم قياسي بلغ 111 دولار أمريكي للبرميل، وأخذ في الصعود منذ ذلك التاريخ حتى وصل بحدود 111 دولار أمريكي في الربع الأول من عام 2011.  وقد بلغت أسعار النفط اليوم أعلى معدل منذ الارتفاع الكبير الذي حدث في منتصف عام 2008.

ويعود سبب الارتفاع الأخير في أسعار النفط بدرجة أساسية إلى المخاطر السياسية، فقد ادى فرض عقوبات صارمة على إيران بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية إلى زيادة المخاوف على إمدادات النفط.  وقد أضافت هذه المخاوف زيادة على الأسعار بحدود 15-20 دولار للبرميل الواحد.

إذا حافظت أسعار النفط على مستوياتها الحالية أو ارتفعت عن ذلك، فإنها قد تقود إلى زيادة معدلات التضخم حول العالم وتقليص الموارد المتاحة للاستثمار.  وقد يؤدي ذلك إلى تأثير سلباً على التعافي الهش للاقتصاد للولايات المتحدة ويزيد من تفاقم الانكماش في منطقة اليورو،  مع احتمال أن يقود إلى إعادة إشعال أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو مع إحداث هبوط في معدل نمو الاقتصاد الصيني. 

بالرغم من أن ارتفاع أسعار النفط تعود بالفائدة على الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المدى القصير، إلى أنه إذا أدى إلى كبح مؤثر للنمو الاقتصادي العالمي، وقاد بذلك إلى خفض في الطلب على النفط فقد يترتب على ذلك مخاطر الدخول في فترة أسعار متدنية في المستقبل كما حدث في عام 2009.  ولكن هذا الأمر يستبعد حدوثه لأن عددا من دول منظمة الأوبك قد أعلنت أنها تعتبر أسعار النفط بحدود 100 دولار للبرميل كافية وعادلة وأنها على استعداد لاتخاذ التدابير اللازمة لزيادة صادراتها النفطية لتحقيق هذه الغاية