فرنسا  | English

سببت موجة الجفاف التي ضربت معظم الولايات المتحدة في ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية. ويحدث هذا الارتفاع للمرة الثالثة خلال أربعة أعوام وفي حال استمر ارتفاع أسعار الغذاء فسيؤدي إلى تهديد الأمن الغذائي في بعض الدول ويسبب عدم استقرار اجتماعي وهي نفس الحالة التي شهدها العالم عندما ارتفعت أسعار الغذاء خلال أشهر الصيف من عام 2008 وفي مطلع عام 2011. ويرى تحليل مجموعة QNB أن التطورات ستعتمد على جودة محصول المنتجات الزراعية في مناطق العالم الأخرى.

تعتبر الولايات المتحدة من أكبر منتجي المواد الغذائية في العالم، خاصة محصول الذرة حيث تنتج حوالي %40 من المحصول العالمي وهي مُصَدِر رئيسي للذرة، لذلك فإن تراجع محصول الذرة في الولايات المتحدة سيكون له تداعيات خطيرة على المستوى العالمي.

ودفعت المخاوف بسبب الجفاف في الولايات المتحدة إلى ارتفاع أسعار ثلاثة محاصيل غذائية أساسية،  وهي الذرة والقمح وفول الصويا، إلى مستويات قياسية جديدة في 20 يوليو الماضي، حيث بلغ سعر البوشل من الذرة 8.28 دولار، وسعر البوشل من القمح 9.44 دولار وسعر البوشل من فول الصويا 17.77 دولار. ورغم أن معظم الأسعار تراجعت عقب ذلك لكنها تعتبر مرتفعة ولا تزال الذرة بالقرب من أعلى مستوياتها. وفي نهاية شهر يوليو كانت أسعار العقود الآجلة للقمح والذرة تسليم شهر سبتمبر مرتفعة بمعدل %50 عن مستوى الأسعار في بداية يونيو، في حين بلغ الارتفاع في فول الصويا نسبة %25.

ويُشير تحليل مجموعة QNB إلى أن هذه الأسعار تشهد مزيداً من الارتفاع في بعض الدول نتيجة لارتفاع قيمة الدولار الأميركي مقابل عملاتها المحلية. ويرتفع حاليا مؤشر الدولار مقابل ست عملات رئيسية بنسبة تقارب %15 مقارنة مع يوليو 2008. وهذا الوضع يجعل أسعار الغذاء أعلى بكثير في الدول التي تراجعت قيمة عملاتها مقابل الدولار.

وقد بدأت إرهاصات الحصاد السيئ في الولايات المتحدة منذ بعض الوقت حيث شهد الموسم الزراعي بين عامي 2011 و2012 حالة جفاف غير عادية. وكان من المتوقع أن تتحسن الأوضاع خلال فصل الصيف الحالي مع بداية زراعة المحاصيل، لكن في نهاية شهر يونيو أصبح واضحاً أن الصيف سيشهد ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حالة الجفاف. كما أن انتشار حرائق الغابات على مساحات واسعة في الولايات المتحدة كان أيضاً دليلا على حالة الجفاف.

وتعتبر حالة الجفاف الحالية، والتي تتركز في منطقة الوسط الغربي من الولايات المتحدة وهي سلة الغذاء الأميركية، هي أسوأ موجة جفاف تضرب الولايات المتحدة خلال نصف قرن. وحسب المجلة الأسبوعية لبيانات الجفاف في الولايات المتحدة فإن الجفاف يضرب حالياً %60 من مساحة الولايات المتحدة، بما في ذلك %78 من مناطق زراعة الذرة. ونتيجة لذلك فإن %30 من زراعات الذرة في حالة سيئة أو سيئة جداً. كما أن %55 من أراضي تربية المواشي في حالة سيئة أو سيئة جداً.

 

arDrought in the US causes suddenوتتحرك الأسواق خلال الأسابيع الماضية بشكل متذبذب حسب توقعات هطول الأمطار. ولكن حتى في حال هطول أمطار قوية في الفترة الحالية فإنها من الممكن أن تكون متأخرة لإنقاذ محصول الذرة نتيجة لمرور فترة التلقيح، لكن من الممكن إنقاذ محصول الفول الصويا.

وبالنسبة للمناطق الأخرى من العالم، تواجه مناطق زراعة القمح في روسيا وأوكرانيا حالة جفاف للعام الثاني، الأمر الذي يمثل مزيداً من الضغط على الأسعار. كما أن الفيضانات في بعض المناطق الأسيوية تهدد محصول الأرز، رغم أن مناطق زراعة الأرز الرئيسية في الصين تبدو في حالة جيدة.

أظهر استطلاع للرأي جرى مؤخراً بين المحللين في أسواق السلع توقعات بارتفاع أسعار السلع الغذائية إلى مستويات قياسية جديدة خلال شهري أغسطس وسبتمبر. ومن المتوقع أن تتراجع الأسعار عقب ذلك مع تحول الاهتمام إلى المحاصيل في نصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وبخاصة البرازيل التي تقوم بجني المحاصيل في وقت مختلف. وهناك عوامل ايجابية يمكن أن تلعب دوراً في السيطرة على ارتفاع الأسعار بما في ذلك ارتفاع المخزون العالمي من الحبوب الزراعية، حيث تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن المخزون بلغ 515 مليون طن، وهو ما يزيد بحوالي %23 عن المخزون العالمي من الحبوب خلال فترة ارتفاع أسعار السلع الغذائية في عام 2008.

لم ينعكس الارتفاع في أسعار العقود الآجلة لبعض السلع حتى الآن على الأسعار في أسواق التجزئة ولم تنتقل تداعياته إلى السلع الغذائية الأخرى. كما أن مؤشر أسعار الغذاء العالمية الذي تصدره منظمة الفاو كان في شهر يونيو عند أدنى مستوياته خلال تسعة أشهر ولا يزال ادني بكثير عن أعلى مستوياته. غير أن ارتفاع الأسعار سيؤثر على مُكَوِن الحبوب الزراعية في هذا المؤشر. علاوة على ذلك سيؤدي ارتفاع أسعار الحبوب إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان بعد فترة من الوقت بسبب ارتفاع تكلفة تربية المواشي.

وترى مجموعة QNB أن حالة التذبذب الشديدة في أسعار الغذاء تتحول لتصبح السمة السائدة في الأسواق نتيجة للتطورات خلال السنوات القليلة الماضية. ويأتي هذا نتيجة لعدة عوامل من بينها ارتفاع الطلب من الطبقة الوسطى في العالم والتي تتزايد بشكل مستمر، بالإضافة إلى استخدام بعض الحبوب الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي بدلا من استخدامها كغذاء. ومن ناحية الإمدادات، نجد وتيرة حدوث حالات الجفاف والفيضانات والتي تبدو مرتبطة بالتغيرات المناخية. كما أن المضاربات في أسواق العقود الآجلة يمكن أن تكون إحدى هذه العوامل وإن كان هناك نقاش حول مدى أهميتها.

يحتاج العالم حالياً إلى إيجاد الآليات الضرورية للتعامل مع التغيرات في قطاع الغذاء والعمل على زيادة الإنتاج وتطوير المخزون الاستراتيجي وتقديم الدعم للدول الفقيرة وتلك التي تواجه تهديدات لأمنها الغذائي.