فرنسا  | English

واصلت أزمة منطقة اليورو الضغط على المستثمرين خلال شهر يونيو الماضي في الفترة التي سبقت قمة زعماء دول الاتحاد الأوروبي في نهاية الشهر. ويرى تحليل أصدرته مجموعة QNB أن رد فعل الأسواق تجاه مقررات هذه القمة كان ايجابياً، غير أن المشاكل لا تزال عالقة ومن المتوقع أن تؤدي إلى عودة حالة التوتر من جديد، الأمر الذي سيتطلب اتخاذ قرارات أكثر فاعلية من قِبَل قادة الاتحاد الأوروبي.

وخلال الشهر الماضي، مثلت الأحزاب اليونانية المعارضة لإجراءات التقشف تهديداً لبرنامج الإنقاذ، لكن الانتخابات منحت الأغلبية للأحزاب المؤيدة لبرنامج الإنقاذ. وبعد الانتخابات اليونانية، تحول التركيز إلى المشاكل التي تواجه اسبانيا وإيطاليا.

عقب عدة أشهر من التخمينات، اضطرت الحكومة الاسبانية في النهاية إلى طلب حزمة إنقاذ للبنوك الاسبانية التي تعاني من انكشاف كبير على القطاع العقاري المتدهور. هذه التطورات، بالإضافة إلى تراجع التوقعات بشأن أداء الاقتصاد الأوروبي، عملت على زيادة المخاوف حول الديون السيادية الايطالية وهو ما رفع من العائد على السندات. وخلال شهر يونيو، ارتفع العائد على السندات الايطالية والاسبانية إلى معدلات لا يمكن الاستمرار فيها على المدى الطويل، حيث بلغ العائد على السندات الايطالية %6، بينما ارتفع إلى %7 على السندات الاسبانية.

arTHE EU SUMMIT HAS EASED TENSIONS 

وقبيل القمة، تمكن قادة الاتحاد الأوروبي من تقديم التزامات بحزمة إنقاذ للبنوك الاسبانية بقيمة 100 مليار يورو، وهو مبلغ أعلى بكثير من التقديرات الأولية لاحتياجات البنوك الاسبانية والتي كانت عند 40 مليار يورو. ويرى تحليل مجموعة QNB أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لتهدئة مخاوف الأسواق نظراً لأن هذه الأموال ستذهب إلى البنوك على هيئة قروض من الحكومة الاسبانية وبالتالي ستؤدي إلى زيادة مستويات الدين العام على الحكومة. ولهذا ارتفعت حدة المخاوف من زيادة مستويات الدين العام وارتفع معدل العائد على السندات الحكومية.

أيضاُ قبيل القمة الأوروبية، ظهر انقسام بين القادة الأوروبيين حول سبل التعاطي مع ارتفاع العائد على السندات الاسبانية والايطالية، حيث أصرت ألمانيا على التركيز على القضايا طويلة الأجل مثل منح مؤسسات الاتحاد الأوروبي مزيداً من السلطات على موازنات الدول الأعضاء وسياساتها الاقتصادية. هذا الوضع قلص التوقعات بشأن قدرة القمة الأوروبية في 28 و29 من الشهر الماضي في التوصل إلى اتفاق حول الإجراءات قصير الأجل للتعامل مع الأزمة في اسبانيا وايطاليا.

وفي الواقع، تمكن قادة الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى اتفاق حول الإجراءات قصيرة الأجل خلال القمة، حيث نجحت اسبانيا وايطاليا في الضغط على بقية الدول الأعضاء من خلال رفضهما مناقشة أية قضايا أخرى قبل التوصل إلى اتفاق حول إجراءات التعامل مع الأزمة.

ونتيجة لهذا، قررت القمة تقديم حزمة الإنقاذ لزيادة رأس مال البنوك الاسبانية مباشرة، وبالتالي تراجعت التوقعات حول مستويات الديون السيادية على الحكومة الاسبانية بمعدل يتراوح بين %10-%6 من الناتج المحلي الإجمالي. كما تم الاتفاق على السماح لصندوق الاستقرار المالي الأوروبي بشراء السندات السيادية للدول الأعضاء مع التخلي عن برنامج الرقابة على هذه الدول، وهذه الخطوة مهدت الطريق أمام الحكومة الايطالية لطلب مساعدة الصندوق في سوق السندات الايطالية.

كان هذا الاتفاق بمثابة مفاجأة سارة للأسواق حيث أدى إلى انخفاض العائد على السندات الاسبانية والايطالية بأعلى معدل في يوم واحد منذ بداية العام. وتراجع العائد على السندات الاسبانية من %6.95 إلى %6.33، كما تراجع العائد على السندات الايطالية من %6.20 إلى %5.84. وانعكست حالة التفاؤل على بقية الأسواق، حيث ارتفع مؤشر يوروستوكس 50، وهو مؤشر يضم أكبر الشركات في منطقة اليورو، بنسبة %4.96 في نفس اليوم، وارتفع اليورو بنسبة %1.77 مقابل الدولار ليصل إلى 1.2662 دولار، وهو أيضاً أعلى معدل ارتفاع يومي منذ بداية العام الجاري.

رغم هذا التفاعل الايجابي في أسواق المال، إلا أن المخاوف قد تُعاود الظهور من جديد في المستقبل القريب. نجحت القمة الأوروبية في اتخاذ قرارات مهمة، لكنها لم تتطرق إلى تفاصيل التطبيق وبالتالي هناك احتمال أن تواجه القرارات بعض المشاكل بما في ذلك احتمال الحاجة إلى تعديلات في معاهدة الاتحاد الأوروبي والحاجة إلى تصديق البرلمانات. ومن المتوقع الإفصاح عن مزيد من التفاصيل خلال اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي في التاسع من يوليو الحالي.

يعتمد قرار زيادة رأس مال البنوك الاسبانية على أساس أن الاتحاد الأوروبي سيُنشئ مؤسسة تتولى مهمة الإشراف على القطاع المصرفي في منطقة اليورو لتكوين "اتحاد مصرفي" تحت إدارة البنك المركزي الأوروبي وينطوي تحتها 17 مؤسسة رقابية مختلفة. وهذه عملية معقدة ويتطلب تنفيذها بعض الوقت (هناك نية لإنشائها بنهاية العام الجاري)، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تأخير عملية زياد رأس مال البنوك وإضفاء مزيد من الشكوك حول توقيت تحويل الأموال من الحكومات إلى البنوك. كما أن تغيير سلطة صندوق الاستقرار المالي الأوروبي لكي يتمكن من تحويل الأموال مباشرة إلى البنوك قد يحتاج أيضاً إلى تعديل في معاهدات الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يخلق مزيداً من التعقيدات.

علاوة على ذلك، يرى تحليل مجموعة QNB أن القمة لم تقدم أي تغيير على مصادر التمويل التي تعتمد عليها مؤسسات الاتحاد الأوروبي في تعاملها مع أزمة ديون منطقة اليورو، حيث يبلغ إجمالي الموارد المخصصة لصناديق الإنقاذ حتى الآن حوالي 500 مليار يورو، أو 400 مليار يورو في حال استبعاد حزمة الإنقاذ لاسبانيا. وستحتاج اسبانيا وايطاليا إلى عمليات إعادة تمويل ديونهما بما يقارب 600 مليار يورو خلال عام 2013. وفي حال عجزتا عن توفير هذه المبالغ من أسواق المال العالمية، فإن صناديق الإنقاذ الأوروبية ستصبح خاوية بسرعة. وبناءً عليه، فإن صناديق الإنقاذ الأوروبية الحالية غير كافية للتعامل مع أي تطورات سلبية في أزمة الديون السيادية، ويبدو هذا الاحتمال كافياً بمفرده في عودة المخاوف بين المستثمرين في الأسواق.
كما أن قمة الاتحاد الأوروبي شهدت تقدماً محدوداً في جهود التعامل مع القضايا الأساسية للتعامل مع الأزمة على المدى البعيد. وقد حصلت ألمانيا على دعم القمة لتمكين رئيس المجلس الأوروبي من وضع خريطة طريق ذات جدول زمني محدد لتحقيق اتحاد اقتصادي ونقدي قوي يجعل مؤسسات الاتحاد الأوروبي قادرة على مراقبة موازنات الدول الأعضاء وسياساتها الاقتصادية والنقدية. غير أن وضع خريطة طريق لتعزيز الاتحاد الأوروبي لا يعتبر دليلاً على وجود خطوات سريعة للتعامل مع القضايا الشائكة مثل مسألة السيادة الوطنية.

تم الاتفاق أيضاً على "معاهدة التنمية" والتي ستعمل على استغلال 120 مليار يورو من الأموال المتاحة في صناديق الإنقاذ لتمويل الاستثمارات في دول الاتحاد الأوروبي. لكن تحليل مجموعة QNB يُظهر أن هذا التوجه يهدف إلى التعامل مع مظاهر الضعف في اقتصاد منطقة اليورو وليس مشاكل الديون الهيكلية والتي تسبب الأزمة الحالية.

وترى المجموعة أن أزمة الديون المستمرة تنعكس بشدة على الاقتصاد الحقيقي حيث أظهرت البيانات الصادرة في الثاني من يوليو أن معدل البطالة في منطقة اليورو ارتفع إلى مستويات تاريخية ليصل إلى %11.1 في شهر مايو الماضي، في حين تراجع النشاط الصناعي ليقترب من أدنى مستوياته التي بلغها خلال عام 2009. كما أن بيانات النشاط الصناعي خلال الأسبوع الماضي أشارت إلي تراجع الأداء الاقتصادي حول العالم، الأمر الذي يوضح التأثير الواسع لأزمة منطقة اليورو.

وفي حال تزايدت مستويات التراجع في الاقتصاد الأوروبي والاقتصاديات العالمية فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الضغط على النظام المصرفي الأوروبي وأسواق الدين السيادية وسيتطلب إجراءات أشد قسوة من قِبَل الحكومات.

يأتي ضمن هذه الإجراءات الأساسية التي يمكن اتخاذها تقديم عمليات إعادة تمويل طويلة الأجل (تقديم قروض للبنوك منخفضة الفائدة)، وزيادة حجم صناديق الإنقاذ (صندوق الاستقرار المالي الأوروبي)، وتقديم ضمانات للودائع في البنوك في منطقة اليورو بما في ذلك الحماية ضد التحول إلى عملات جديدة، بالإضافة إلى تعزيز سلطة البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية من خلال تحقيق مستوى أعلى من الوحدة الأوروبية. كما تشمل هذه الإجراءات تخفيض تكلفة الاقتراض في منطقة اليورو وإصدار أدوات دين موحدة ومضمونة، أو سندات اليورو، غير أن ألمانيا رفضت هذه الإجراءات.