فرنسا  | English

تراجعت أسعار الغذاء العالمية بشكل طفيف خلال النصف الثاني من عام 2012، حيث ساهم المحصول الجيد في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وبخاصة محصول فول الصويا والذرة في البرازيل، بالإضافة إلى قيام بعض الدول بالسحب من مخزونها الاستراتيجي في تقليص تداعيات موجة الجفاف في الولايات المتحدة والتي أدت إلى تراجع محصولها الزراعي إلى مستويات أقل من المتوقع.

غير أن تحليل مجموعة QNB أظهر أن أسعار الغذاء العالمية لا تزال عند مستويات مرتفعة ومرشحة للارتفاع أكثر من ذلك خلال عام 2013، نظراً لوجود مخاوف قائمة حالياً بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في استراليا خلال الشهر الجاري ووجود مؤشرات على أن موجة الجفاف في الولايات المتحدة قد تستمر لعام آخر ، بالإضافة إلى انخفاض المخزون العالمي من الغذاء. وفي حال تعرضت  أي منطقة أخرى رئيسية في إنتاج  الغذاء لسوء أحوال مناخية فإن أسعار الغذاء العالمية قد ترتفع إلى مستويات قياسية جديدة.

وقد بلغت أسعار الغذاء العالمية مستويات مرتفعة وشهدت تذبذبات شديدة خلال السنوات القليلة الماضية. ويعتبر الوضع شديد الخطورة بالنسبة للحبوب، مثل الذرة والقمح والأرز، وهي الحبوب التي توفر معظم السعرات الحرارية لسكان العالم. فعلي سبيل المثال، ارتفعت أسعار القمح خلال فصل الصيف الماضي بأكثر من %50 في غضون ستة أسابيع عندما أصبح واضحاً مدى تداعيات الجفاف في الولايات المتحدة. كما أن مُكَوِن الحبوب في مؤشر أسعار الغذاء العالمية، والذي تصدره منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، لا يزال يراوح بالقرب من أعلى مستوياته. كما أن أسعار اللحوم مستمرة عند أعلى مستوياتها التاريخية، حيث يرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع أسعار الحبوب التي تستخدم في تربية الماشية.

وعلى الرغم من أن متوسط مؤشر الغذاء العالمي الذي تصدره الفاو كان في عام 2012 أدنى بنسبة %7.0 من المتوسط الذي بلغه خلال عام 2011، إلا أنه كان لا يزال مرتفعاً بنسبة %5.9 عن أعلى مستوياته السابقة التي بلغها خلال عام 2008. ويرجع انخفاض المؤشر بالنسبة لمستوياته خلال عام 2011 إلى تراجع أسعار بعض الأغذية مثل السكر الذي انخفض متوسط أسعاره بنسبة %17.1 على مدار العام الماضي، علاوة على انخفاض متوسط أسعار منتجات الألبان بنسبة %14.5. غير أن متوسط أسعار الحبوب انخفض بنسبة %2.4 فقط نتيجة لتراجع الأسعار خلال النصف الأول من العام. وعلى النقيض، ارتفعت أسعار الحبوب خلال النصف الثاني من العالم بنسبة %8.8 مقارنة مع نفس الفترة من عام 2011 وبلغت مستويات بالقرب من المستويات القياسية لفترة ستة أشهر والتي تم تسجيلها في منتصف عام 2008.

تمثل أسعار الغذاء مصدر قلق وبخاصة للثلث الفقير من سكان العالم والذين ينفقون أكثر من نصف دخلهم لشراء الغذاء. كما تمثل مصدر قلق للدول التي تعتمد على واردات الغذاء بما في ذلك العديد من دول منطقة الشرق الأوسط.
بدأت موجة الجفاف التي تضرب الولايات المتحدة حالياً، وهي أسوأ موجة جفاف منذ موجة الجفاف العاصفة خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، في الاتساع والزيادة في شهر يونيو 2012. وقد تضاعفت تقريباً نسبة المساحات من الولايات المتحدة التي تواجه موجة الجفاف مقارنة مع المساحة الكلية للدولة (باستثناء ولاية ألاسكا) خلال عدة أشهر، وغطت موجة الجفاف أوسع مساحات في شهر سبتمبر.

وقد تراجعت المساحات التي تتعرض للجفاف قليلاً في أواخر شهر يناير لتصل إلى %57.6 من مساحة الولايات المتحدة، مقارنة مع متوسط بلغ %31.3 من مساحة الويلات المتحدة خلال العقد الأول من القرن الحالي. علاوة على ذلك، اتسعت مساحة الأراضي الزراعية التي تعرضت إلى أسوأ مستويات الجفاف لتبلغ %6.8 من إجمالي المساحات المزروعة، وهو ما يمثل تقريباً سبعة أضعاف متوسط المساحات المتضررة خلال العقد الأول من القرن الحالي. جاء ذلك نتيجة لانخفاض مستويات الأمطار خلال فصل الشتاء إلى ما دون المستويات العادية في كثير من المناطق. ونتيجة لذلك، يبدو أن محصول القمح الشتوي سيكون ضعيفاً، بالإضافة إلى وجود مؤشرات على أن الجفاف يمكن أن يستمر خلال فصلي الربيع والصيف مما سيؤثر على محاصيل أخرى.

ar_globalfoodprices

وقد أصدرت مصلحة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية مؤخراً أول توقعاتها حول موسم الزراعة والذي سينتهي في شهر ابريل، حيث تتوقع استمرار الجفاف في المناطق التي تتعرض حالياً لهذه الموجة بما في ذلك المناطق الزراعية مثل ولاية كنساس. وعلى الجانب الايجابي، تتوقع المصلحة تحسن حالة الطقس في أجزاء من حزام زراعة الذرة المهم في منطقة الغرب الأوسط (وهي المنطقة التي شهدت تراجع المحصول بنسبة %13 خلال العام الماضي). وتحظى مشكلة الجفاف باهتمام خاص نظراً لأن الولايات المتحدة هي أكبر مُصدِر للغذاء في العالم بما في ذلك الذرة والقمح وفول الصويا.

وتشهد أستراليا، وهي رابع أكبر مُصَدِر للغذاء في العالم، أحوال طقس استثنائية أيضاً، حيث بلغت دراجات الحرارة خلال الأشهر الأربعة الماضية أعلى مستوياتها على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة منذ مائة عام. وبلغت درجات الحرارة أعلى مستوياتها خلال شهر يناير، والذي يشهد أعلى درجات الحرارة لفصل الصيف في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، مع وجود عدة أيام متتالية شهدت تسجيل درجات الحرارة مستويات قياسية جديدة. وأدت درجات الحرارة المرتفعة إلى حرائق في الغابات في المناطق الزراعية.

ومن بين مصادر القلق بشأن أسعار الغذاء وجود تراجع في مخزون الغذاء العالمي، حيث أشارت تقديرات منظمة الفاو في شهر أكتوبر الماضي إلى أن المخزون العالمي يكفي 74 يوماً من الاستهلاك. كما أن مخزن الغذاء في أطعمة محددة انخفض بشدة في بعض الدول. فعل سبيل المثال، مخزون الذرة الأميركي يكفي الاستهلاك لمدة 24 يوماً، وهو أدنى معدل تم تسجيله.

ترى مجموعة QNB أنه في حال تراجعت المشاكل المناخية خلال العام القادم أو الذي يليه في مناطق إنتاج الغذاء فان الأسعار  ستنخفض نتيجة لتوجه المزارعين إلى الاستثمار في زراعة أراضي قاحلة بدافع من ارتفاع أسعار الغذاء مؤخراً. غير أنه في حال استمر الجفاف في الولايات المتحدة وفي حال تعرض دول زراعية رئيسية أخرى إلى موجات جفاف أو فيضانات، فإن أسعار الغذاء العالمية ستكون مرشحة للوصول إلى مستويات قياسية جديدة.

وحتى في حال تحسنت الأوضاع على المدى القريب، لا تزال توجد توقعات بحدوث  أحوال مناخية سيئة وما يتبعها من ارتفاع أسعار الغذاء خلال السنوات المقبلة نتيجة لارتفاع درجات حرارة الأرض. ومن الممكن أن تشهد أسعار الغذاء مزيداً من الضغوط في حال استمرت التوجهات لاستخدام الحبوب الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي والمضاربات في أسواق العقود الآجلة للمنتجات الزراعية وارتفاع الطلب نتيجة لارتفاع مستويات المعيشة في بعض الدول النامية.
في ظل هذا الوضع من تراجع مستويات الأمن الغذائي العالمي، ستحتاج منطقة دول مجلس التعاون الخليجي إلى مزيد من الجهود لتنويع مصادر الغذاء بهدف تقليص المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تعرض بعض مناطق إنتاج الغذاء إلى نقص في الإنتاج. وفي جميع الأحوال، سيؤثر مسار أسعار الغذاء العالمية على مستويات التضخم في المنطقة، حيث أن مجموعة الغذاء هي ثاني أكبر وزن في مؤشرات أسعار المستهلكين في منطقة مجلس التعاون الخليجي.