فرنسا  | English


ذكرت مجموعة QNB أنه من الصعب تحديد الاتجاه الحالي في الاقتصاد الأميركي، حيث أن البيانات الاقتصادية الصادرة مؤخراً تثير حالة من الإحباط، غير أن المزيد من التحليل لهذه البيانات يُظهر أن تباطؤ الاقتصاد يمكن أن يكون مؤقتاً وأن الاقتصاد الأميركي مرشح للتعافي مجدداً في وقت لاحق من العام الجاري.

فقد أظهرت أحدث البيانات حول الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، والتي صدرت في نهاية شهر يناير  الماضي، أن الاقتصاد الأميركي انكمش بنسبة %0.1 على أساس سنوي خلال الربع الأخير من عام 2012، وهو أول فصل يشهد انكماشاً في الاقتصاد منذ الربع الثاني من عام 2009. غير أن العوامل الرئيسية وراء هذا الانكماش تعتبر عوامل مرحلية مثل عمليات التخلص من المخزون لدى الشركات وانخفاض ميزانية الدفاع الاتحادية بنسبة %22، علاوة على تعطل الإنتاج بسبب أحوال الطقس، وبخاصة الإعصار ساندي. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الأميركي سينمو بمعدل %2.0 في عام 2013 (مقارنة مع %2.3 في عام 2012) ومن ثَمَ يزداد معدل النمو إلى %3.0 في عام 2014.

أما في سوق العمل، فقد ارتفعت وتيرة توفير وظائف جديدة خلال النصف الثاني من عام 2012، حيث ازدادت الوظائف في القطاع الزراعي بمقدار 87 ألف وظيفة في شهر يونيو، لترتفع بعد ذلك إلى 247 ألف وظيفة في شهر نوفمبر، لكن هذا المعدل تراجع إلى 157 ألف وظيفة في شهر يناير  2013. كما أن أحدث التقارير الأسبوعية لإعانات البطالة أظهرت تباطؤ في نمو الوظائف الجديدة، حيث ارتفع عدد المطالبات بإعانات البطالة لأول مرة بنسبة %12 خلال شهر يناير ليصل إلى 368 ألف طلب إعانة البطالة. نتيجة لذلك، نجد أن معدل البطالة في الولايات المتحدة عاود الارتفاع وإن كان بشكل طفيف خلال شهر يناير الماضي إلى %7.9، وذلك بعد أن شهد تراجعاً مستمراً من أعلى مستوياته عند %10.0 في أكتوبر 2009 إلى مستوى %7.8 في شهر سبتمبر 2012.

ar_usunemploymentGraph

على الرغم من هذه البيانات الاقتصادية الضعيفة، ارتفعت مؤشرات الأسواق الأميركية لأعلى مستوى لها في خمس سنوات وتتحرك بالقرب من أعلى مستوياتها على الإطلاق. وترى مجموعة QNB أن بعض التفاؤل بين المستثمرين يمكن أن يرجع إلى التعافي في سوق المنازل الأميركي، حيث أظهرت البيانات أن العام الذي انتهي في ديسمبر 2012 شهد ارتفاعاً في مبيعات المنازل القائمة بالفعل بنسبة %13 وارتفعت مبيعات المنازل الجديدة بنسبة %9، في حين ارتفعت عمليات البدء في إنشاء منازل جديدة بنسبة %37. ومنذ الأزمة المالية العالمية، أدى الضعف في قطاع المنازل إلى تزايد المخاوف حول قدرة المستهلكين الأميركيين على الإنفاق، وهي الفئة التي تعتبر المحرك الرئيسي للاقتصاد. فقد أدى انهيار قيمة المنازل في الولايات المتحدة خلال عامي 2007-08 إلى تداعيات سلبية على قيمة ثروات المستهلكين مما دفعهم إلى تخفيض نفقاتهم وزيادة مدخراتهم. ولابد أن التعافي في قطاع المنازل سيغير من هذا التوجه بين المستهلكين، بالإضافة إلى أنه سيوفر وظائف جديدة في قطاع الإنشاء ويدعم النمو في القطاعات المرتبطة بالمنازل مثل العقارات والتجارة والصناعة.

وقد ارتفع إنفاق المستهلكين بنسبة %2.2 على أساس سنوي خلال الربع الأخير من عام 2012، مقارنة مع %1.6 في الربع الثالث، الأمر الذي يعتبر مؤشراً ايجابياً للاقتصاد الأميركي. غير أن مؤشر ثقة المستهلكين، وهو مؤشر رئيسي على إنفاق المستهلكين، تراجع بشدة من 67 نقطة في شهر ديسمبر 2012 إلى 59 نقطة في شهر يناير 2013. وربما يعود هذا التراجع إلى زيادة الضرائب على الرواتب في بداية العام. وبالنظر إلى المستقبل، سيواجه المستهلكين ضغوطاً نتيجة لزيادة الضرائب، غير أن الدخل الحقيقي الممكن إنفاقه يشهد ارتفاعاً وسيشهد زيادة قوية لكن مؤقتة خلال الربع الأول من عام 2013 نتيجة لزيادة مكافآت نهاية العام وتوزيعات الأرباح قبل تطبيق الزيادات في الضرائب على الرواتب والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير.

بالنسبة لقطاع الشركات، ارتفعت الاستثمارات بقوة خلال الربع الأخير من عام 2012 بنسبة %8.4 على أساس سنوي. علاوة على ذلك، ارتفع مؤشر مدراء المشتريات، وهو مؤشر رئيسي للنشاط الصناعي، بشكل متواصل من 49.9 نقطة في شهر نوفمبر إلى 53.1 نقطة في شهر يناير (عندما تكون قراءة المؤشر فوق مستوى 50 نقطة فإنها تعكس حالة نمو).

نظراً لأن البيانات الاقتصادية الصادرة مؤخراً لم تكن قوية، فإنه يمكن اعتبار الارتفاع في أسواق المال مؤشراً على انحسار المخاوف من تباطؤ الاقتصاد. فقد تم تجاوز معظم المخاوف من "الهاوية المالية" التي جرى الحديث عنها بشكل موسع نتيجة للاتفاق على تخفيض الزيادات الضريبية وتأجيل أغلب الاستقطاعات في النفقات حتى بداية شهر مارس. كما أن الكونغرس الأميركي وافق على وقف العمل بسقف الدين مؤقتاً حتى شهر مايو، مما خفف من المخاوف قصيرة المدى من أن يؤدي تقليص النفقات الاتحادية إلى إعادة الاقتصاد الأميركي لحالة الركود.

توجد عوامل خارجية ساهمت أيضاً في انحسار المخاوف حول الاقتصاد الأميركي. فقد أشارت البيانات الاقتصادية من الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلى ارتفاع وتيرة النمو في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى %7.9 خلال الربع الأخير من عام 2012، مقارنة مع %7.4 خلال الربع الثالث، الأمر الذي خفف من المخاوف بأن تشهد الصين تباطؤاً حاداً في النمو الاقتصادي. كما تراجعت المخاوف بشأن أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو مع انخفاض العائد على سندات الدول التي تتعرض لذروة الأزمة.

لكن لا تزال هناك مخاطر عديدة في الاقتصاد العالمي حسب المؤشرات الأساسية على المدى الطويل. ففي أوروبا، لا تزال الحكومات تعاني من مستويات ديون سيادية عالية وضعف في النمو الاقتصادي مع توقعات باستمرار حالة الركود الاقتصادي خلال العام الجاري، في حين أن التحرك السياسي لا يزال بطيئاً. هذا الوضع يجعل منطقة اليورو عرضة لمخاطر تصاعد أزمة الديون السيادية من جديد. وأخيراً، لا تزال مخاطر حدوث تباطؤاً حاداً في النمو الاقتصادي الصيني مستمرة، خاصة فيما يتعلق بقطاع العقارات الذي يعاني من وفرة المعروض ومستويات مديونية عالية. 

ومن المحتمل أن لجنة السوق المفتوحة الاتحادية، وهي المجلس المسئول عن السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كانت تضع الكثير من هذه المخاوف في حسبانها عندما قررت الإبقاء على سياسات الاحتياطي الفيدرالي دون تغيير خلال اجتماعها في نهاية شهر يناير، الأمر الذي حافظ على سياسة شراء الأصول (وهي سياسة التخفيف الكمي عن طريق السوق المفتوحة) بمعدل 85 مليار دولار شهرياً مع استمرار أسعار الفائدة عن نفس مستوياتها.