فرنسا  | English


ساهم التراجع الحاد في سعر صرف الين الياباني منذ بداية العام الجاري في تزايد المخاوف من وجود حرب غير معلنة بين العملات. غير أن مجموعة QNB تستبعد وجود تنافس بين دول العالم على تخفيض أسعار صرف عملاتها بالرغم من أن تخفيف السياسات النقدية قد يؤدي إلى تغييرات في أسعار صرف العملات.

توجد شكوك منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتي أدت إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي، بأن بعض الدول تسعى إلى تخفيض أسعار صرف عملاتها في محاولة لتعزيز صادراتها. فعندما يتراجع سعر صرف عملة دولةٍ ما، تكون قادرة على بيع صادراتها بأسعار ارخص من أسعار صادرات الدول المنافسة لها والتي تكون أسعار صرف عملاتها أعلى. وتتهم الولايات المتحدة منذ فترة طويلة الصين بأنها تعمل على إضعاف سعر صرف اليوان الصيني لهذا الهدف. وقد تصاعدت هذه المخاوف نتيجة لاتخاذ المصارف المركزية سياسات نقدية غير تقليدية لتحفيز اقتصادات دولها مثل سياسات التخفيف الكمي، حيث تقوم المصارف المركزية بشراء السندات.

إن ارتفاع عرض النقد نتيجة لقيام المصارف المركزية بشراء السندات يؤدي إلى تراجع أسعار صرف العملات في هذه الدول مقارنة مع عملات الدول التي تشهد ثباتاً في عرض النقد. هذه العلاقة العكسية كانت واضحة في يوم 20 فبراير عندما تم الإعلان عن تفاصيل اجتماعات اللجان المسؤولة عن تحديد السياسات النقدية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. فقد أظهرت هذه التفاصيل وجود توجه قوي بصورة أكثر من المتوقع في المملكة المتحدة إلى زيادة برامج التخفيف الكمي ونتج عن ذلك تراجع سعر صرف الجنيه الإسترليني فور صدور هذه التفاصيل. على النقيض في الولايات المتحدة، أشارت تفاصيل الاجتماعات إلى وجود توجه لتقليص برامج التخفيف الكمي وبالتالي ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى.

وهذا يوضح بشكل جزئي سبب ارتفاع سعر صرف عملات الدول التي لم تطبق سياسات التخفيف الكمي خلال السنوات القليلة الماضية مثل البرازيل. فقد أدى ارتفاع سعر صرف الريال البرازيلي إلى تراجع صادراتها وساهم في التباطؤ الحاد في معدلات النمو الاقتصادي لديها، مما زاد من الاتهامات لدول مثل الولايات المتحدة بأنها تستفيد من مميزات تجارية غير عادلة نتيجة لسياسات التخفيف الكمي.

لكن التراجع في سعر صرف العملات يعتبر من الآثار الجانبية لسياسات التخفيف الكمي وإجراءات تسهيل السياسات النقدية وليس الهدف من هذه السياسات. على العكس، تهدف سياسات التخفيف الكمي إلى تعزيز السيولة الداخلية وتخفيض معدل الفائدة على القروض طويلة الأجل، مما يساعد الأعمال على الاقتراض وتوسيع أنشطتها وتوفير وظائف.

تصاعدت حدة الجدل حول العملات مؤخراً عقب الانتخابات اليابانية في شهر ديسمبر الماضي، حيث قام رئيس الوزراء الجديد شينزو آبي بتغييرات جوهرية في السياسة النقدية. وقد أدت هذه التغييرات إلى تراجع حاد في سعر صرف الين الياباني الذي فقد ما يقارب %14 من قيمته أمام الدولار منذ شهر ديسمبر. فقد قام السيد/ آبي بزيادة معدل التضخم المستهدف من %1 إلى %2 في إطار العمل على تخفيف السياسة النقدية. كما قام بتسمية محافظ جديد لمصرف اليابان المركزي من الشخصيات المعروفة بدعمها لسياسات التحفيز الاقتصادي. وفي الواقع استبقت الأسواق هذه التغييرات، بل إنها تحركت قبل الانتخابات وسط توقعات بأن السيد/ آبي سينجح في تطبيق هذه السياسات الجديدة.

إن التراجع الذي حدث مؤخراً في سعر صرف الين الياباني ليصل إلى ما يقارب 92 ين مقابل الدولار أعاد سعر الصرف إلى المستويات التي كانت عليه في بداية عام 2010. لكن لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح، فإن سعر صرف الين الياباني كان يرتفع معظم الوقت خلال السنوات الخمس الماضية حيث ارتفع من 123 ين مقابل الدولار إلى 76 ين فقط مقابل الدولار في بداية عام 2012.

yen perd ollar 

إن التراجع الحالي في سعر صرف الين سيدعم الصادرات اليابانية عقب التحديات التنافسية التي واجهتها عندما كان سعر صرف الين مرتفعاً. ونتيجة لذلك، وجهت بعض الدول التي تنافس اليابان في التجارة مثل كوريا الجنوبية انتقادات حادة للتغييرات التي اتخذتها اليابان.

وكان الجنيه الإسترليني ثاني أسوأ العملات أداءً بعد الين الياباني، حيث فقد %7 تقريباً من قيمته أمام الدولار منذ بداية العام. ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى برنامج التخفيف الكمي الذي تطبقه المملكة المتحدة حالياً. كما أن التعافي الطفيف في سعر صرف اليورو منذ مستوياته المنخفضة في شهر يوليو الماضي بدأ يزيد المخاوف حول تنافسية الصادرات الأوروبية، مما جعل فرنسا تتحدث عن اتخاذ سياسات موجهة لسعر الصرف. وهذه تعتبر من بين المؤشرات على احتمال وقوع حرب عملات.

ففي حال بدأت الدول المنافسة على تخفيض أسعار صرف عملاتها إلى أدنى المستويات فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية جداً. ومن أكثر الأمثلة خطراً هو ما حدث في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي عندما قررت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهاء الارتباط بين عملاتهما والذهب، الأمر الذي كان بداية فترة من المنافسة على تخفيض أسعار صرف العملات وهو ما أدى إلى حالة من الغموض بين الشركات حول الأسعار. ونتيجة لذلك تضررت التجارة العالمية وتصاعدت حدة تداعيات الكساد الكبير.

غير أن مجموعة QNB ترى أن المؤشرات حتى الآن تعكس تركيز الدول الكبرى على استخدام أدوات السياسات النقدية في إدارة الطلب الداخلي لديها أكثر من استخدامها لتعزيز الصادرات من خلال التأثير على أسعار صرف العملات. وفي الواقع، نجد عند تحليل الاقتصاد الكلي للدول أن اليابان والمملكة المتحدة ستكون من بين أقل الدول استفادةً من تخفيض سعر صرف عملاتها نظراً لمستويات الدين المرتفعة بالعملات الأجنبية (وهي ديون سترتفع قيمتها عندما تنخفض أسعار صرف العملات المحلية) وانخفاض معدل الصادرات بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي.

كانت هذه القضية من الأهمية بحيث ناقشها وزراء مالية مجموعة العشرين خلال اجتماعهم في العاصمة الروسية موسكو في 16 فبراير، حيث أصدروا بياناً يتعهدون فيه بعدم الدخول في منافسة لتخفيض أسعار صرف العملات. والأهم من ذلك أنهم لم يوجهوا أية انتقادات للإجراءات التي اتخذتها اليابان مؤخراً. إن قبول الدول الكبرى بالإجراءات اليابانية يسترجع أحداث اتفاقية بلازا في عام 1985 عندما اتفقت الدول الكبرى على تخفيض قيمة الدولار الأميركي، حيث كانت قيمته مرتفعة بشكل مبالغ فيه في ذلك الوقت مثلما حدث مع الين الياباني خلال السنوات القليلة الماضية.

حتى في حال نشوب حرب عملات، نجد أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بنوع من الحماية ضد تداعياتها. فعندما تتراجع أسعار صرف الدولار (مما يؤدي إلى تراجع مماثل في أسعار صرف عملات دول المنطقة المرتبطة بالدولار)، فإن أسعار النفط في الأسواق العالمية تميل إلى الارتفاع وبالتالي ستؤدي إلى تقليص تداعيات ارتفاع أسعار الواردات في الموازنات العامة وميزان المدفوعات.