فرنسا  | English

يمكنك تنزيل هذه النسخة من التقرير الأسبوعي بصيغة PDF باللغة العربيةأو الانجليزية

أكدت تحليلات مجموعة QNB أن العديد من أسواق الدول الناشئة تدخل في مرحلة صعبة من ضعف معدلات النمو الاقتصادي وهروب رؤوس الأموال وتشديد السياسات النقدية وقد بدأت ملامح هذه المرحلة تظهر في التراجع الحاد في قيمة مختلف فئات الأصول في الأسواق الناشئة منذ مارس 2013، بما في ذلك العملات والأسهم والسندات. وتتوقع مجموعة QNB استمرار هذه المرحلة خلال الأشهر المقبلة حتى تتعافى الأوضاع الاقتصادية في الأسواق الناشئة في بداية عام 2014.

خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 كان أداء الأسواق الناشئة جيداً بالمقارنة مع اقتصادات الدول المتقدمة. وقد حافظت الدول الناشئة خلال الفترة بين عامي 2009 و2011 على معدلات نمو مرتفعة نسبياً وارتفعت قيمة عملاتها. وكان أداء أسواق الأسهم في الدول الناشئة أفضل من أداء الأسواق في بقية مناطق العالم وارتفعت أسعار السندات في هذه الدول نظراً لأن أسعار الفائدة التي قدمتها الدول الناشئة على هذه السندات جذبت المستثمرين الباحثين عن عائد على استثماراتهم، وكانت توفر وسيلة لتنويع محافظ الاستثمار العالمية. جاء تحول المستثمرين إلى سندات الدول الناشئة نتيجة لتراجع العائد على سندات الدول المتقدمة إلى مستويات منخفضة جداً بسبب السياسات النقدية التوسعية وبرامج التخفيف الكمي التي أدت إلى انخفاض أسعار الفائدة إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وبلغ صافي استثمارات الصناديق في الأسهم والسندات الصادرة عن الدول الناشئة، والتي تعتبر مؤشر رئيسي على التدفقات النقدية، ما يقارب 90 مليار دولار كصافي تدفقات إلى هذه الأسواق خلال عام 2012، بالإضافة إلى 46 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري.

غير أن هذا الاتجاه بدأ يتحول منذ مطلع شهر مايو 2013، حيث تراجعت بحدة كافة المؤشرات التي ترتبط بالأسهم والسندات والعملات في الدول الناشئة (والتي تصدرها كل من إم إس سي أي وبلومبرغ وجي بي مورغان على التوالي) منذ يوم 9 مايو (أنظر الشكل). وبحلول يوم 17 يونيو، تراجعت الأسهم بنسبة %17 وانخفضت السندات بنسبة %10 وفقدت العملات %7 من قيمتها. وقد تعافت هذه المؤشرات خلال الشهر الماضي، إلا أنها لا تزال بعيدة عن أعلى مستوياتها التي بلغتها مؤخراً. وترجع هذه الانخفاضات الحادة إلى قيام مستثمرين أجانب بسحب استثماراتهم، حيث تم سحب 7 مليارات دولار من صناديق الاستثمار في سندات الدول الناشئة خلال شهر يونيو وحده (وهو ما يمثل حوالي %3 من إجمالي الاستثمارات في هذه الصناديق)، كما أن صناديق الاستثمار في الأسهم شهدت عمليات سحب أكبر من ذلك (تم سحب 5 مليارات دولار خلال الأسبوع الأول من يونيو وهو أعلى معدل لسحب الاستثمارات في خلال عامين).

 مؤشرات الأسواق الناشئة

(على أساس بيانات يناير 2013 = 100)

  ar_creditflight_graph1

المصدر: إم إس سي أي وجي بي مورغان وبلومبرغ

كان العامل الرئيسي والقريب لهذا التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة هو التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيبدأ قريباً في عملية التقليص التدريجي لبرنامج التخفيف الكمي، بحيث تنتهي هذه البرامج في وقت ما من عام 2014، ومن ثَمَ يقوم بزيادة أسعار الفائدة في عام 2015. وأحد أهم المؤشرات على هذه التوقعات هو ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأميركية المستحقة بعد 10 سنوات حيث ارتفع العائد من %1.62 في بداية شهر مايو إلى %2.74 في بداية شهر يوليو. ومع ارتفاع العائد على السندات الأميركية، فقدت سندات الدول الناشئة مميزاتها النسبية، الأمر الذي يفسر تدفقات الأموال للخارج من هذه الدول وتراجع قيمة سنداتها. وخلال شهر يوليو، تعافت المؤشرات في الأسواق الناشئة وتراجع العائد على السندات الأميركية بشكل طفيف عقب تخفيف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في الحديث عن تقليص برامج التخفيف الكمي، مؤكدين أن هذه العملية ستعتمد على مدى قوة الاقتصادي الأميركي بالإضافة إلى عوامل أخرى داخلية واحتمالات وجود مخاطر على الاقتصادي العالمي.

إن التوقعات حول توقيت بدء عملية تقليص برامج التخفيف الكمي وتشديد السياسات النقدية ستستمر في زيادة حدة التذبذبات في الأسواق. غير أن السياسة العامة أصبحت واضحة وتضطر الأسواق الناشئة حالياً إلى التعامل مع قضية هروب رؤوس الأموال من خلال تشديد السياسات النقدية والتي ستؤدي بدورها إلى تراجع توقعات النمو الاقتصادي.

قامت ثلاث دول ناشئة كبرى بزيادة أسعار الفائدة مؤخراً، حيث قام مصرف البرازيل المركزي بتشديد السياسات النقدية منذ شهر ابريل الماضي ورفع سعر الفائدة الأساسي بمعدل 100 نقطة أساس خلال الأشهر القليلة الماضية. كما قام مصرف اندونيسيا المركزي بزيادة سعر الفائدة بمعدل 75 نقطة أساس خلال نفس الفترة، في حين اتخذت الهند أكثر الإجراءات قوة عندما قامت بزيادة أسعار الفائدة على الإقراض (وليس فقط السعر الأساسي) بمعدل 200 نقطة أساس في 15 يوليو 2013، في محاولة للسيطرة على الانخفاض الحاد في سعر صرف الروبية، والتي بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق أمام الدولار الأميركي مؤخراً. كما أن تركيا كانت أحدث الدول الناشئة التي تضطر إلى اتخاذ إجراءات متشددة حيث قامت بزيادة سعر الفائدة الأساسي بمعدل 75 نقطة أساس في 23 يوليو.

تكمن المشكلة في الأسواق الناشئة في أن تشديد السياسات النقدية سيضغط على النمو الاقتصادي، حيث سيجعل تكلفة الاقتراض مرتفعة بالنسبة للشركات والإفراد عند الاقتراض من اجل الاستثمار أو الاستهلاك. ويأتي هذا الوضع في توقيت سيء حيث أن العديد من الدول الناشئة تعاني بالفعل من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي إلى ما دون المستويات التي حققتها في الفترة الماضية، على الرغم من أن هذه المعدلات لا تزال أعلى من معدلات النمو الاقتصادي في أغلب الدول المتقدمة. وتعاني البرازيل بشكل خاص، حيث قام صندوق النقد الدولي بتخفيض توقعاته للنمو خلال عام 2013 بمعدل 50 نقطة أساس لتصل إلى %2.5 وبمعدل 80 نقطة أساس في عام 2014 لتصل إلى %3.2. كما أن الهند، والتي تشهد أدنى معدلات النمو خلال العقد الماضي، كانت تقوم بتطبيق سياسات تخفيف نقدية خلال النصف الأول من عام 2013 (قامت بتخفيض سعر الفائدة بمعدل 75 نقطة أساس على مراحل) بهدف تعزيز النمو الاقتصادي.

بجانب السياسات النقدية، قامت بعض الدول الناشئة مؤخراً بإجراء تعديلات ضريبية وتشريعية بهدف تشجيع تدفق رؤوس الأموال. وقامت البرازيل بإلغاء ضرائب بنسبة %6 على الاستثمارات الأجنبية في السندات وضرائب بنسبة %1 على الاستثمارات في مشتقات العملات (وهي ضرائب تم فرضها خلال السنوات القليلة الماضية عندما كان سعر صرف الريال البرازيلي يرتفع بسرعة). كما سعت الهند إلى جذب الاستثمارات عندما ألغت الحد الأقصى على ملكية الأجانب لأسهم قطاع الاتصالات، في حين وضعت قيود على استيراد الذهب لتقليص العجز الكبير في حسابها الجاري.

توجد بعض المخاوف من احتمالات تكرار الأزمة الاقتصادية في المكسيك في عام 1994 عندما عانت الأسواق الناشئة من هروب رؤوس الأموال بعد أن قام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتشديد السياسات النقدية في ذلك العام. لكن مجموعة QNB تستبعد حدوث مثل هذا السيناريو نظراً لان معجم الدول الناشئة تتمتع بموازنات عامة أقوى من موازناتها في منتصف فترة التسعينات من القرن الماضي، بما في ذلك مستويات أدنى من الدين العام الخارجي واحتياطيات أكبر من العملات الأجنبية. لكن بالرغم من استبعاد احتمال حدوث أزمة تضرب الأسواق الناشئة بأسرها، إلا أن انتهاء فترة الحصول على رؤوس أموال بسعر فائدة رخيص جداً سيضغط على الدول الأكثر تعرضاً لهذه الأموال. وترى مجموعة QNB أن اتخاذ المزيد من إجراءات تشديد السياسات النقدية أصبح حتمياً، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي خلال الأشهر القلية المقبلة إلى أن يحدث تعافي اقتصادي بحلول عام 2014.