فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF  من التقرير    Englishأو عربي    

تشير آخر التقديرات الواردة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي بأن الأداء الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيظل متفاوتاً بين دولها. ففي جانب، يظل النمو ضعيفاً بين الدول المستوردة للنفط حيث تتسبب الاضطرابات السياسية وقلة الاستثمارات في عرقلة النمو. وفي جانب آخر، تواصل الدول المصدرة للنفط، وبينها دول مجلس التعاون الخليجي، نموها السريع مدعوماً بمشروعات البنية التحتية الضخمة. ووفقاً لتوقعات مجموعة QNB، سيستمر هذا التطور بسرعته المزدوجة خلال السنتين القادمتين، حيث ستلعب دول مجلس التعاون الخليجي دور قاطرة النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمصدر الأساسي للاستثمار والتمويل.

 ووفقاً للتقديرات الأخيرة لمجموعة QNB، سينمو اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إجمالاً بنسبة 2,1% في عام 2013، وبنسبة 3,8% في عام 2014 (أنظر الجدول). إلا أن هذه الأرقام الكلية تخفي فارقاً مهماً في الأداء بين الدول المصدرة للنفط، بما فيها دول مجلس التعاون الخارجي، والدول المستوردة له. ومن المتوقع لنسبة النمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي بلغت 2,7 خلال السنة الماضية أن تتراجع إلى 1,6% في عام 2013، ثم أن تعود للصعود إلى نسبة 3,2% في عام2014. إلا أن هذا التحسن لن يكون كافياً لتحقيق تقدم يذكر على صعيد خلق وظائف جديدة من أجل خفض معدلات البطالة في هذه البلدان. وفي نفس الوقت، فإن نسب النمو الصحية في الدول المصدرة للنفط يتوقع لها أن تجيء معتدلة هذا العام بنسبة 3,0% مع تخفيضها للإنتاج وسط تواضع الطلب العالمي على الطاقة. كما يتوقع أن يقود استمرار الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية في هذه الدول إلى ارتفاع في النمو الاقتصادي إلى نسبة 4,5% في عام 2014.

 

معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة

 

دول مجلس التعاون تواصل قيادتها للنمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(نسبة التغيير)

 المصدر: بيانات صندوق النقد الدولي تقديرات مجموعة QNB

ستظل الظروف الاقتصادية ضعيفة على نطاق معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المستوردة للنفط، مع استمرار الاضطرابات الاجتماعية في دول الربيع العربي، وبقاء البيئة الاقتصادية في حالة تتسم بتواضع في النمو العالمي وأسعار متصاعدة دوماً في المواد الغذائية والمحروقات وضعف في الثقة المحلية. كما أنه من غير المرجح أن يطرأ تحسن في الاحتياطيات العالمية المتآكلة ما لم يطرأ انتعاش في الصادرات أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو التحويلات المالية. وإضافة لذلك، وفي ظل ضعف المصدات المالية والاحتياطيات المستنزفة، فستكون هناك حاجة لقدر كبير من ضبط الأوضاع المالية في بعض الحالات للمحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي، ولغرس الثقة والمحافظة على التنافسية ولحشد التمويل الخارجي. وبصفة محددة، ستحتاج هذه الدول لتنفيذ مزيد من استقطاعات الدعم، إلى جانب حاجتها لوضع وتنفيذ سياسات تساعد على احتواء فاتورة الأجور.

علاوة على ذلك، ستستمر دول المنطقة التي تمر بمرحلة انتقالية في مواجهة الاضطرابات السياسية مع التحدي المتمثل في حاجة هذه الدول لتحقيق توقعات شعوبها في مجال توفير الوظائف وتعزيز التماسك الاقتصادي، وهو ما يقود أيضاً إلى تأخير النمو. وبصفة خاصة، كان للأزمة السورية أثر سلبي قوي على النمو في دول منطقة المشرق العربي، مع ما تحدثه الأعداد الضخم ة من اللاجئين من ضغوط على الموارد المالية لدول مثل العراق، والأردن، ولبنان، وتركيا بدرجة أقل. وعلى سبيل المثال، فإن أعداد اللاجئين السوريين الذين نزحوا للبنان فعلياً وصلت 750,000 لاجئ (ما يعادل حوالي 19% من إجمالي عدد السكان) قد أحدث ذلك ضغطاً هائلاً على الوضع المالي الضعيف سلفاً للموازنة اللبنانية. كما ترتبت آثار ضارة مماثلة من الانتكاسات التي شهدتها التحولات السياسية في هذه الدول وكذلك من تصاعد العنف في دول مثل ليبيا ومصر وتونس، وهو ما قاد لمزيد من التأجيل للإصلاحات الاقتصادية الضرورية ولعرقلة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وفي جانب آخر، تواصل الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نمواً كبيراً مع استعادة ليبيا لما يقارب مستويات انتاجها العادي من النفط إلى جانب التوسعات الضخمة في دول مجلس التعاون الخليجي. ووفقاً لتقديرات مجموعة QNB، فمن المتوقع أن يرتفع النمو الاقتصادي في منطقة مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4,7% في عام 2014 من نسبة 3,7% لهذا العام على خلفية استفادة القطاع غير النفطي من مشروعات البنية التحتية الضخمة. إضافة لذلك، تستمر دول مجلس التعاون في تقديم التمويل الخارجي لبقية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شكل منح رسمية وقروض ميسرة واستثمارات أجنبية ضخمة، وهو ما يعد أمراً حيوياً لتعافي الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب مجموعة QNB. وفعلياً، سيوفر ذلك قدرات معززة لمنتجات وخدمات المنطقة للدخول إلى أسواق الصادرات، وهو ما يعدّ أيضاً أمراً مهماً لتحقيق القدرة التنافسية وخلق المزيد من الوظائف.

وحين ننظر في آفاق المستقبل، فمن المتوقع أن تستمر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مسار التحول الاقتصادي، وذلك أساساً بفضل الأفق المستقبلي المبشر لدول مجلس التعاون الخليجي التي ستواصل لعب دورها كقاطرة للنمو في المنطقة. ومع ذلك، يتوجب الحذر من البيئة الخارجية في الدول المستوردة للنفط التي ستبقى متقلبة، بالإضافة إلى ما هو متوقع من انعكاسات الأزمة السورية. وختاماً، فمع أهمية التركيز حالياً على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فإنه من المهم جداً لحكومات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن لا تتغافل لحظة عن مواجهة التحدي الأساسي للمدى المتوسط والذي يتمثل في تحديث وتنويع اقتصاديات المنطقة، وخلق المزيد من الوظائف، وإيجاد فرص لجميع مواطنيها على نحو عادل.