فرنسا  | English

 
يمكنك أيضاً تنزيل نسخة pdf من التقرير عربي أو English
 قد تستدعي مخاطر الانكماش في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو مزيداً من تخفيف السياسات المالية، على نحو مماثل لبرنامج "التخفيف الكمي"، وفقاً لتحليلات مجموعة QNB. فقد أدى هبوط أسعار السلع عالمياً وتراجع الطلب المحلي إلى انخفاضات تاريخية في معدلات التضخم لأقل بكثير من نسبة 20% المستهدفة من البنوك المركزية. وهو ما يدعو لمواصلة، بل وإسراع العمل بسياسة مالية غير تقليدية لتفادي المخاطر التي قد يشكلها الانكماش على التعافي الاقتصادي الهش سلفاً. وتقدم التجربة اليابانية سابقة تاريخية مفيدة في هذا الخصوص. فبعد عقود من الانكماش وضعف النمو، ساعدت توليفة من السياسات الناجحة على انتشال الاقتصاد الياباني بعيداً عن فخ الانكماش.
 
في أكتوبر 2013، ارتفع التضخم في اليابان فوق معدل التضخم في كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو لأول مرة خلال هذا القرن. وقد جاء هذا الارتفاع في التضخم كنتيجة مباشرة للسياسات الاقتصادية المخففة التي تم إدخالها هذا العام، والتي قد تساعد البلاد في الخروج من العقود الضائعة من النمو المنخفض والانكماش التي بدأت مع الانهيار العقاري في عام 1989 واستمرت حتى اليوم. وفي النفس الوقت، انخفض التضخم في كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو إلى حوالي 1,0%، وهو أقل مستوى له منذ عام 2009 عندما قاد الكساد العالمي وانهيار أسواق السلع إلى خفض الأسعار. وتثير هذه المعدلات المنخفضة من التضخم مخاوف من أن الولايات المتحدة ومنطقة اليورو تسيران بدورهما لدخول فخ الانكماش الخاص بهما مع عقود ضائعة من ضعف النمو والانكماش على نحو ما حدث في اليابان. وبحسب مجموعة QNB، فإن ذلك يعزز مبررات اعتماد سياسات اقتصادية ميسرة، مثل برنامج شراء الأصول "التخفيف الكمي" الأمريكي.
 
تضخم مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية
(يناير 2000- يناير 2013)
(%، على أساس سنوي)
 
Global Inflation
المصدر: بلومبيرغ وتوقعات مجموعة QNB
 
منذ تسعينيات القرن الماضي، دخل الاقتصاد الياباني فترة من الوهن الاقتصادي تمثل في ضعف النمو والانكماش الاقتصادي الذي استمر حتى حلول القرن الحادي والعشرين. ومنذ عام 2000 وحتى مايو 2013، كان التضخم السنوي لمؤشر أسعار السلع الاستهلاكية سلبياً (بمتوسط -0,3%)، بينما كان نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنسبة تقل عن 1% خلال نفس هذه الفترة.
إلا أنه خلال الشهور القليلة الماضية، حدث تحول في الاقتصاد بعد أن تم إدخال حزمة من السياسات الاقتصادية الميسرة على يد رئيس الوزراء الحالي، شينزو آبى، الذي جاء للحكم بنهاية عام 2012. تتضمن هذه الحزمة السياسية التي عرفت باسم "آبنوميكس" سياسة مالية بالغة التيسير، وإنفاقاً ضخماً على البنية التحتية، وسياسة فاعلة لإضعاف الين الياباني. وحتى الوقت الحالي من هذه السنة، جاء النمو بنسبة 3,1% في المتوسط، وارتفع معدل التضخم من -0,3% للسنة حتى مايو 2013 إلى 1,1% للسنة حتى أكتوبر. ويرجح أن تكون حزمة سياسات "آبنوميكس" قد أسهمت بدرجة كبيرة في تحسن الأداء الاقتصادي الياباني. وأحد نتائج سياسات التيسير المالي- مثل "التخفيف الكمي"- هو خفض قيمة صرف العملة عن طريق زيادة المعروض من الأموال. ومن الممكن لمثل هذا الإجراء أن يكون له أثر إيجابي على الاقتصاد حيث أنه يساعد على زيادة تنافسية الشركات التجارية بالبلاد وعلى تشجيع النمو. كما يمكنه أيضاً أن يدفع بالتضخم لأعلى من خلال رفع تكلفة المواد المستوردة.
وفقاً للفكر الاقتصادي النظري، يعمل الانكماش على تغذية التوقعات باستمرار انخفاض الأسعار وتشجيع المستهلكين والمؤسسات التجارية والحكومة على الإحجام عن الشراء، ويؤدي بذلك إلى كبح النمو. كما أنه يؤدي أيضاً إلى زيادة القيمة الحقيقية للديون المحلية القائمة، وهو ما يزيد من صعوبات المقترضين على السداد. كما يعمل الانكماش أيضاً على رفع سعر صرف العملة، ويؤدي بذلك إلى تقويض التنافسية والنمو. وهذا هو الفخ الانكماشي الذي وقع فيه الاقتصاد الياباني خلال عقوده الضائعة. وفي الجانب الآخر، فإن بيئة تضخمية معتدلة تعزز التوقعات باستمرار ارتفاع الأسعار وتشجع الإنفاق، والاقتراض، والنمو، والوصول إلى معدل سعر صرف أكثر تنافسية. ولهذه الأسباب، تميل البنوك المركزية لاستخدام سياسة مالية تستهدف تضخماً سنوياً بحدود 2%، لتتفادى بذلك مخاطر الوقوع في فخ الانكماش.
وعليه، فإن هبوط التضخم في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو يقدم حجة قوية لبنك الاحتياط الفيدرالي وللبنك المركزي الأوربي لإضفاء مزيد من التخفيف على السياسة المالية. ويصدق هذا بصفة أخص على منطقة اليورو التي هبط فيها متوسط النمو إلى حدود -0,7% خلال الفصول الثلاثة الأولى من عام 2013، وتراجع التضخم السنوي لمؤشر أسعار السلع الاستهلاكية من 2,2% بنهاية عام 2012 إلى ,9% للسنة حتى نوفمبر 2013. وفي نفس الوقت، ارتفعت قيمة صرف اليورو بنسبة 8,2% خلال هذه السنة مقابل سلة من العملات المرجحة، ومن المحتمل أن يكون ذلك سبب كبح التضخم وعرقلة النمو. وقد قام البنك المركزي الأوربي سلفاً بخفض معدل سعر الفائدة الرئيسي من 0,5% إلى 0,25% في شهر نوفمبر، تاركاً مساحة محدودة فقط لأي استقطاعات مستقبلية. وعليه، فمن المرجح أن يلجأ البنك المركزي الأوربي لاعتماد سياسة مالية غير تقليدية لتوفير المحفزات عن طريق توسعة عمليات إعادة التمويل طويلة الأجل، لتزويد البنوك الأوربية بسيولة غير محدودة مقابل ضمانات بأسعار فائدة منخفضة. ويمكن للبنك المركزي الأوربي أن يذهب أبعد من ذلك وأن يلجأ لتحفيز الاقتصاد عن طريق شراء السندات الحكومية من الأسواق الأولية.
في الولايات المتحدة، يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي حالياً بتوسعة برنامجه المعروف باسم "التخفيف الكمي" لشراء الأصول بمبلغ 58 مليار دولار أمريكي في الشهر. إلا أن بعض التعليقات من مسؤولين في بنك الاحتياط ومداولات اجتماع لجنة السوق المفتوح تكشف بأن محافظي البنك يدرسون خيار إبطاء برنامج "التخفيف الكمي". ولكن، وبحسب مجموعة QNB، فإن تباطؤ التضخم قد يؤدي إلى تأخير بدء الخفض في برنامج شراء الأصول. ومن المرجح سلفاً أن يؤجل بنك الاحتياط تنفيذ الخفض في برنامج شراء الأصول حتى أوائل السنة القادمة، بعد اجتياز المأزق السياسي بشأن الميزانية وسقف المديونية. وإذا استمر التضخم في التباطؤ، فقد يتأخر تنفيذ الخفض في برنامج "التخفيف الكمي" لفترة أطول.
وإجمالاً، من الممكن القول، وفقاً لتحليلات مجموعة QNB، أن يشكل الانكماش مخاطر جدية على الولايات المتحدة وأوربا خلال عام 2014. إلا أنه بالإمكان أيضاً الحد من بعض هذه المخاطر باعتماد سياسات مالية ميسرة بصفة مستمرة على نحو ما شهدنا في التجربة اليابانية مؤخراً. كما أن بوسع السياسات المالية المخففة أن تشجع على تدفق الرساميل للأسواق الناشئة، وتقود بذلك إلى استعادة قدر من الاستقرار إلى أسواق المال العالمية.