فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة pdf من التقرير   عربي   أو English

عامل السن يؤثر على الأداء الاقتصادي. ينسى كثير من المعلقين الاقتصاديين عند قيامهم بالمقارنة بين معدلات النمو في الاقتصاديات المتقدمة أن في أوربا واليابان نسبة عالية من السكان فوق سن الستين. فلهؤلاء المواطنين المسنين تأثير مباشر على الأداء الاقتصادي، والسياسة المالية، وتوزيع الأصول. كما أن نسبة المسنين مؤشر هام جداً على تطورات القطاع المالي في المدى الطويل.

وفقاً لدراسة صدرت مؤخراً من الأمم المتحدة، سينضم خلال الفترة من 2010 إلى 2050 ما تعداده 1,25 مليار نسمة حول العالم إلى فئة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة وما فوق ، فيما يتوقع لعدد السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 أن يظل ثابتاً عند 3 مليار. وهو ما يعني أن نسبة أقلً من السكان هي التي ستعمل، أي ما يعرف بنسبة إعالة المسنين، فيما سيعتمد كبار السن على الإعانات العامة من الدولة، أو على أولادهم، أو على الموجودات الخاصة بهم لمقابلة الاستهلاك اللازم لحياتهم.

لقد أصبحت "نسبة إعالة المسنين" المتناقصة سلفاً مشكلة حادة في دول مثل ألمانيا واليابان وإسبانيا. فقد شهدت هذه الدول معدلات ولادات عالية بعد الحرب العالمية الثانية. وحيث أن هذا الجيل قد بدأ الآن في التقاعد، فإن نسبة إعالة المسنين تتراجع بسرعة. ووفقاً لدراسة أخرى صادرة عن صندوق النقد الدولي، فمن المتوقع أن يؤدي تناقص نسبة إعالة المسنين في هذه البلدان إلى انخفاض النمو الاقتصادي بمتوسط 0,7 نقطة في السنة خلال العقود الأربعة التالية.

كما سيكون تناقص نسبة إعالة المسنين مشكلة أيضاً في الصين، ولكن في وقت متأخر بعض الشيء. فبموجب سياسة الطفل الواحد، شهدت الصين تدنياً كبيراً في متوسط معدل الخصوبة بين السنوات من 1979 إلى 2009. ونتيجة لذلك، بدأت نسبة إعالة المسنين في التراجع مؤخراً، وستصبح مشكلة أشدّ حدة مع تقاعد السكان الذين ولدوا قبل عام 1979. ويقدّر صندوق النقد الدولي أن ينعكس التأثير الإجمالي لذلك على الاقتصاد الصيني في شكل انخفاض في متوسط النمو بمقدار 0,4 نقطة في السنة خلال السنوات من 2012 إلى 2050. أما في الولايات المتحدثة حيث يشيخ السكان بمعدل أبطأ كثيراً، بسبب أن نسبة أكبر من السكان تأتي من المهاجرين من بلدان أخرى، وحيث ينخفض متوسط العمر المتوقع، يقدّر صندوق النقد الدولي بأن يكون تأثير التراجع في نسبة إعالة المسنين على النمو الاقتصادي 0,3 نقطة خلال نفس الفترة.

إن التحدي الأكبر الذي يفرضه تناقص نسب إعالة المسنين هو كيفية مقابلة نفقات كبار السن. في الدول التي تتمتع بشبكات متطورة من نظم التقاعد والأمان الاجتماعي، تخصص الحكومات حصصاً أكبر من نفقاتها لفوائد المعاش لكبار السن. منذ عام 1990، ارتفع الإنفاق العام على معاشات التقاعد في الاقتصاديات المتقدمة بنسبة 1,25% من الناتج المحلي الإجمالي. وما لم يتم رفع سن التقاعد أو خفض مزايا المعاشات، فإن مثل هذه التوجهات قد تعرض الماليات العامة للمخاطر وتقود إلى تراكم ديون عامة يصعب الوفاء بها. كما أن لفرض الضرائب على صغار السن لمقابلة نفقات المسنين له حدوده. فكما شهدنا في اليونان وإيطاليا، فإن الضرائب الباهظة تؤدي إلى هجرة صغار السن، وتقود بذلك إلى تفاقم الانخفاض في نسبة إعالة المسنين. وأحد الخيارات المتاحة هو تسهيل قدوم المهاجرين للبلد، كما هو الحال في الولايات المتحدة، من أجل زيادة عدد السكان العاملين.

نسبة إعالة المسنين والناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، 2010 - 2050

(% ودولار أمريكي)

 

Age Matters for Economic Performance

المصدر: صندوق النقد الدولي ، وتحليلات مجموعة QNB

وبالنسبة للدول التي لا تملك شبكات للأمان الاجتماعي، تترك المهمة لصغار السن لإعالة آبائهم من خلال التحويلات المالية العائلية. ولكن لهذه الوسيلة أيضاً تأثير على المالية الخاصة والعامة لأنها تتطلب من الأجيال الشابة أن تعمل بجهد مضاعف لإعالة ذويهم من المسنين، وهو ما يجعل هؤلاء الشباب غير قادرين على الادخار لأنفسهم بما يكفي. وحيثما تقضي التقاليد بإعالة الشباب لكبار السن، فإن نجاح التحويلات المالية العائلية في إعالة المسنين يتوقف بدرجة كبيرة على الأوضاع الاقتصادية الراهنة. وتوضح تجارب هذه البلدان خلال فترات الكساد أن كبار السن هم الذين يدفعون الثمن الاقتصادي الأكبر عندما تسوء أحوال الاقتصاد.

والطريقة الأخيرة لمقابلة نفقات المسنين هي أن يبيع كبار السن أصولهم. في الاقتصاديات المتقدمة، يتمثل أكبر الأصول التي تتراكم عادة خلال فترة حياة الإنسان في العقارات. وحينما تتراجع نسبة إعالة المسنين، قد يلجأ المتقاعدون لاستخدام رأس المال الذي يتراكم في منازلهم لتمويل نفقاتهم. وقد يترتب على ذلك بيع المنزل بالكلية، أو كما بدأ يحدث مؤخراً في الولايات المتحدة، قد يلجأ المالك للدخول في عملية رهن معكوس يحصل مالك المنزل بموجبها على دفعات شهرية من البنك مقابل التنازل عن حصة كبيرة من رأسمال المنزل. وفي هذا السياق، فقد يكون تناقص نسب إعالة المسنين مؤشراً رئيسياً لانخفاض أسعار العقارات.

كما أن للشيخوخة أيضاً آثار هامة على القطاع المالي. ففي البلدان التي بها نسب عالية من المسنين، يرجح ارتفاع الطلب على أقساط المعاشات التقاعدية، والرهن المعكوس، والتأمين الخاص والتأمين ضد الإعاقة. وعلاوة على ذلك، تزداد أهمية نشاط إدارة الأصول الخاصة مع تراجع قدرة البرامج التقاعدية العامة على تمويل نفقات المسنين. ومجملاً، يتحمل القطاع المالي دوراً هاماً في تسهيل وتنظيم الاستهلاك عبر مختلف الفئات العمرية، وهو دور مرشح ليزداد أهمية مع مرور الوقت.