فرنسا  | English

 

 يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي  أو English

 منذ إعلان بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي عن التقليص التدريجي لبرنامجه الخاص بشراء الأصول- أي ما عرف باسم الخفض التدريجي لبرنامج "التخفيف الكميّ" – شهدت الأسواق الناشئة هروب رساميل ضخمة وانخفاضاً شديداً في قيمة عملاتها المحلية. وقد صدرت مؤخراً دراسة جديدة من صندوق النقد الدولي تلقي الضوء على الأسباب التي تجعل من بعض الدول أكثر عرضة للأزمة من غيرها بقدر ما زادت حصة الديون التي بأيدي الأجانب. وتحدد الدراسة بأن هناك عدد من الدول المعرضة للأزمة بصفة خاصة، وتشمل الأرجنتين ومصر وبولندا وأوكرانيا.

يقدّر صندوق النقد الدولي بأن إجمالي الديون الحكومية في الاقتصاديات الناشئة الرئيسية الـ24 بلغ حوالي 9,6 تريليون دولار أمريكي بنهاية يونيو 2013. ومن مجموع هذا المبلغ، بلغت الديون الحكومية المملوكة لمؤسسات أجنبية حوالي 1,4 تريليون دولار أمريكي، أي 14,6% من إجمالي الديون الحكومية. وكان حوالي 80% من هذا المبلغ بيد مدراء الأصول الأجنبية (المؤسسات الاستثمارية، وصناديق التحوط، وصناديق الثروات السيادية الضخمة). كما تقدر الدراسة أيضاً بأن ما يزيد عن نصف (800 مليار دولار أمريكي) الديون الحكومية للأسواق الناشئة المملوكة لمؤسسات أجنبية قد دخلت لهذه الأسواق منذ عام 2010. وقد دخلت معظم هذه التدفقات المالية الضخمة للأسواق الناشئة على الأرجح نتيجة أسعار الفائدة المتدنية القريبة من الصفر التي سادت الأسواق المتقدمة، وهو ما جعل العائدات السيادية العالية في الأسواق الناشئة أكثر جاذبية. كما كانت هذه التدفقات المالية أقل انتقائية عبر الاقتصاديات الناشئة عقب الأزمة المالية العالمية. وتشير الدراسة إلى أن ذلك كان بسبب عدم التأثر النسبي لمعظم الأسواق الناشئة بالأزمة المالية، ثم تعافيها الأسرع من آثار الأزمة، والتوقعات الكبيرة بأن نموها السريع سوف يؤدي إلى مزيد من التحسن في أسعار عملاتها.

وقد وصل هذا التطور إلى توقف مفاجئ في مايو 2013 مع التقليص التدريجي لبرنامج "التخفيف الكميّ" الذي رفع توقعات أسعار فائدة أعلى في الأسواق المتقدمة، وقاد بذلك إلى عكس وجهة التدفقات المالية التي كانت تصب لصالح الأسواق الناشئة. وقد كشف هذا التطور عن قابلية أسواق الاقتصاديات الناشئة للتضرر من هروب الرساميل، خاصة في تلك الدول التي تعاني من عجوزات ضخمة في الحساب الجاري ونسبة عالية من تملك الأجانب للديون. كما تحقق تضرر عدد من عملات الأسواق الناشئة بالتدفقات المالية الخارجة من أسواقها خلال النصف الثاني من عام 2013. ومنذ ذلك الوقت، بدأ المستثمرون في التمييز أكثر بين الأسواق، ففيما جاءت الضربة قوية جداً في كل من الأرجنتين وأوكرانيا، فقد أبدت كل من مصر وبولندا مقاومة لأزمة الأسواق الناشئة حتى الآن. وقد اختبرت الدراسة أحد السيناريوهات التي يحتفظ فيها المستثمرون من القطاع الخاص الأجنبي بديونهم السيادية بالأسواق الناشئة عند نفس المستوى. وتوصلت الدراسة إلى أن كل من مصر وبولندا ستحتاجان لتمويل حكومي يزيد عن 3% من موجودات النظام المصرفي. وعند اختبار سيناريو آخر يحتفظ في فيه المستثمرون من القطاع الخاص الأجنبي بنسبة 50% من الديون الحكومية التي بحوزتهم والمستحقة خلال سنة، تبيّن أن كل من الأرجنتين وأوكرانيا ستعانيان أيضاً من الحساسية لخروج رؤوس الأموال.

وقد ثبت خلال الشهور الأخيرة صحة تحليلات صندوق النقد الدولي، حيث اتضح رضوخ عملات كل من الأرجنتين وأوكرانيا، ومصر إلى حد أقل، لدواعي أزمة الأسواق الناشئة. ولدى كل من الأرجنتين وأوكرانيا حصص عالية نسبياً من تملك الأجانب للديون الحكومية (30% و46% على التوالي)، وشهدت الدولتان هبوطاً حاداً في سعر العملة. بينما في مصر نسبة أقل من تملك الأجانب للديون (13%) ولم تشهد هبوطاً حاداً مماثلاً في قيمة عملتها.       

عملات الأسواق الناشئة ذات النسب العالية من التملك الأجنبي

 (المؤشر،1 يناير 2013 = 100))

 

Vulnerable Currencies

 

المصدر:  بلومبيرغ

 لقد عاني الاقتصاد الأرجنتيني من جملة من المشكلات تمثلت في أعباء الديون الضخمة، وضعف النمو، وارتفاع معدل التضخم، وهو ما قاد إلى الإضعاف المستمر للبيسو الأرجنتيني لعدد من السنوات. وقد تسارع هذا الوضع إلى انهيار كامل في يناير 2014 مع هبوط احتياطياتها العالمية إلى مستويات غير مقبولة.    

وفي أوكرانيا، أدت الأزمة السياسية إلى تآكل الثقة في عملتها بأوائل عام 2014. كما أدى التدخل الروسي في منطقة القرم إلى مزيد من توتير الأجواء مؤخراً وقاد إلى هروب مزيد من رؤوس الأموال وهبوط حاد في قيمة عملتها. ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي لأزمة القرم.

وفي مصر، فإن تدنى مستويات تملك الأجانب للديون الحكومية جعل من هروب رؤوس الأموال أقل، وهو ما جعل دعم العملة أسهل على السلطات. وإضافة لذلك، فإن تلقي الحكومة المصرية لهبات كبيرة من دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2013 قد ساعد الحكومة على خفض اعتمادها على المستثمرين الأجانب في شراء ديونها. وقد ساعد هذا الوضع على المحافظة على سعر صرف ثابت نسبياً للجنيه المصري خلال أواخر عام 2013 وأوائل عام 2014 بالرغم من التطورات السياسية الكبرى بالبلاد.  

بالرغم من النسبة العالية لتملك الأجانب للديون الحكومية في بولندا (50%)، فإن عملتها قد ظلت تعمل على نحو جيد مع النمو القوي لاقتصادها والانخفاض العام في ديونها الحكومية. ولكن في حال تعثر وضع الاقتصاد، فإن تملك الأجانب للديون يظل مؤشراً هاماً لتعرض البلاد لهروب رؤوس الأموال.

وإجمالاً، تقدم دراسة صندوق النقد الدولي رؤية جديدة جديرة بالاهتمام حيال تطورات أزمة الأسواق الناشئة القائمة والمرتبطة بخفض برنامج "التخفيف الكميّ". وتشير الدراسة إلى أن العجوزات الضخمة في الحساب الجاري وارتفاع حصص الأجانب في ملكية الديون الحكومية يمكن اعتبارهما من المؤشرات الأساسية للاقتصاد الناشئ المعرض لاستمرار هروب رؤوس الأموال.