فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي  أو English

 اتخذت منطقة اليورو قبل أسبوعين خطوة أخرى هامة باتجاه إقامة اتحاد مصرفي. فقد اتفق قادة المنطقة على تخويل البنك المركزي الأوربي مسؤولية الإشراف على البنوك ابتداءً من العام القادم مع إيجاد نظام موحّد لمعالجة الأزمات المصرفية. وتضمن هذه الإجراءات مستقبلاً انخفاض مخاطر وقوع أزمة مالية بمنطقة اليورو بالإضافة إلى الحدّ من الارتباط بين الأزمات المصرفية والديون السيادية. كما أنها تمثّل أيضاً خطوة أخرى هامة نحو تعزيز الثقة في عملة اليورو.

عقب الأزمة المالية العالمية، وجدت معظم بنوك منطقة اليورو نفسها معرضة للركود الاقتصادي بدرجة عالية وأنها في حاجة إلى الدعم الحكومي لاستعادة حيويتها المالية. ويصدق هذا بصفة أخص على البلدان التي عانت فيها القطاعات المصرفية من ديون ثقيلة في سوق الإسكان، كما هو الحال في أيرلندا وإسبانيا. وإجمالاً، تقدّر الخسائر التي تحملتها البنوك الأوربية بمبلغ يقارب 1 تريليون يورو منذ اندلاع الأزمة في عام 2007 وحتى عام 2010.

ومع تفاقم الركود الاقتصادي واشتداد أزمة سوق الإسكان، واجه العديد من البنوك صعوبات في السيولة بلغت حد الإعسار لدى بعضها. وكان على القطاع العام أن يتدخل لإنقاذ هذه البنوك فيما عرف ببرنامج "العناق القاتل" (Deadly Embrace). فقد وافقت المفوضية الأوربية على تخصيص 4,5 تريليون يورو كإعانات حكومية للبنوك خلال الفترة من أكتوبر 2008 إلى أكتوبر 2011، وهو مبلغ تضمن قيمة إعادة رسملة البنوك وتقديم ضمانات حكومية مقابل مديونيات البنوك من أموال دافعي الضرائب. وقد ترتّب على ذلك تحميل أعباء هائلة على الماليات العامة التي كانت تعاني من الضعف سلفاً، ودفعت بمعدلات الديون السيادية إلى أعلى. وفي نهاية الأمر، ألقت تأثيرات أزمة البنوك والديون السيادية بظلالها السلبية على كل من القطاع الخاص بمنطقة اليورو في شكل انخفاض في الائتمان المقدم من البنوك، وعلى القطاع العام في شكل ارتفاع في العجوزات المالية والمديونيات، ما قاد في النهاية لأطول فترة ركود اقتصادي في تاريخ منطقة اليورو.

الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لدول مختارة من منطقة اليورو

 

The Eurozone Takes A Final Step Toward a Banking Union

(2007 = 100)

المصدر: يوروستات، صندوق النقد الدولي، وتحليلات مجموعة QNB

بهدف تفادي وقوع أزمة مصرفية مكلفة، قررت منطقة اليورو اتخاذ خطوة استباقية تتمثل في خلق اتحاد مصرفي. وكانت المفوضية الأوربية قد وافقت في يونيو 2012 على مشروع آلية منسقة للتعافي وحل المشكلات المصرفية. وقد تم تعزيز هذا المشروع قبل أسبوعين بضغوط من البرلمان الأوربي لمنح البنك المركزي الأوربي مزيداً من الاستقلالية في الإشراف والتدخل في شؤون البنوك المتعثرة، بالإضافة إلى تزويده بموارد كافية تمكّنه من تقديم السيولة للبنوك عند الحاجة.

بموجب هذه الاتفاقية الجديدة، سيتولى البنك المركزي الأوربي تنظيم بنوك منطقة اليورو والإشراف عليها ابتداءً من عام 2015. إلا أن الدول الأوربية غير المنضوية تحت مظلة منطقة اليورو، مثل المملكة المتحدة، ليست طرفاً في هذه الاتفاقية لأنها لا تملك حق التصويت في مجلس إدارة البنك المركزي الأوربي. ولكن بإمكان هذه الدول أن تشارك من خلال اتفاقية شراكة مستقلة.

تتطلب اتفاقية منطقة اليورو التزام جميع البنوك بنفس المعايير الرقابية/التنظيمية والخضوع لنفس الإجراءات الإشرافية المشدّدة. وسيؤدي هذا التحول في مسؤولية الإشراف على البنوك لصالح البنك المركزي الأوربي إلى إضفاء شيء من عنصر الحياد على منطقة كانت متروكة في الماضي للسلطات الرقابية الوطنية (مع تدخلات قوية من قبل حكوماتها).

كما توفّر الاتفاقية أيضاً صلاحيات كبيرة للبنك المركزي الأوربي للتدخل في شؤون البنوك المتعثرة. فبإمكان البنك المركزي أن يفرض على البنوك رفع رؤوس أموالها إذا رأى أنها لا تملك الرسملة الكافية لمواجهة أي صعوبات اقتصادية وفقاً لاختبارات ضغط (stress test) معينة. إضافة لذلك، تمنح الاتفاقية رئيس البنك المركزي الأوربي صلاحيات واسعة لتحديد مدى إعسار بنك ما وإجباره على التصفية، وهو الأمر الذي أصرّ عليه البرلمان الأوربي. ومن أجل توفير الموارد المالية اللازمة للتدخل في شؤون البنوك المتعثرة، سيتم إنشاء صندوق لحل مشكلات البنوك بقيمة 55 مليار يورو خلال الأعوام الثمانية القادمة، ويتم جمع المبلغ من إسهامات الحكومات وجبايات البنوك. كما سيسمح لهذا الصندوق أن يقترض من أسواق المال لرفع ميزانيته العمومية.

وخلاصة القول هي أن هذه الاتفاقية التي تهدف لإقامة اتحاد مصرفي لمنطقة اليورو خطوة مرحّب بها. فهذا الاتحاد المصرفي سيخلق في نهاية الأمر ساحة على مستوى منطقة اليورو تتنافس فيها البنوك في بيئة رقابية موحدة، ولن يكون بمقدور الحكومات الوطنية بعد هذا أن تتدخل في الإشراف على البنوك. والأهم من كل ذلك هو أن إنشاء صندوق لحل مشكلات البنوك سوف يضع حداً لبرنامج "العناق القاتل" الذي ألحق أضراراً جسيمة بمنطقة اليورو خلال السنوات القليلة الماضية. وإجمالاً، فإن خلق اتحاد مصرفي جديد يمثل خطوة هامة نحو تعزيز الثقة في عملة اليورو.