فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي أو  English 

 نجح صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة في استعادة الثقة في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمنذ عام 2011، تعهّد الصندوق بتخصيص حوالي 10,0 مليارات دولار أمريكي كدعم مالي للأردن والمغرب وتونس بهدف تنفيذ برامج التقويم الاقتصادي في هذه البلدان واستعادة ثقة المستثمرين بها. وبالرغم من الاختلافات الفردية بينها، إلا أن اقتصادات الدول المذكورة واجهت ثلاث مشكلات مشتركة وهي تكاليف الدعم الضخمة، وعدم الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية العالمية غير المواتية. لكن نجحت برامج التقويم الاقتصادي في معالجة الاختلالات الاقتصادية المحلية والخارجية في الدول الثلاث، بالرغم من وجود حاجة لمزيد من العمل للحد من التبذير في الإنفاق وتحفيز النمو وخفض معدلات البطالة العالية.

اشتركت الأردن والمغرب وتونس في ثلاثة أسباب للأزمات التي عانت منها: الإنفاق الضخم على دعم أسعار الغذاء والطاقة، وعدم الاستقرار السياسي الإقليمي والظروف الاقتصادية العالمية غير المواتية. فقد عانت كل واحدة من هذه الدول من إنفاق هيكلي ضخم على دعم اسعار الغذاء والوقود تراوح في عام 2011 بين 4% من الناتج المحلي الإجمالي لتونس إلى حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي في كل من الأردن والمغرب. ترتّب على هذا عبء اقتصادي ومالي كبير كما جعل هذه الاقتصادات معرضة بصفة خاصة للصدمتين الأخريين اللتين ضربتهم. أما السبب الثاني، أو الصدمة الثانية، فهو موجة الاضطرابات السياسية التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2011. ففي حالة الأردن، أدت هذه الأوضاع المضطربة إلى توقف إمدادات الغاز من مصر، وتعطل القنوات التجارية، وتدفق أعداد ضخمة من اللاجئين السوريين. بينما أدى عدم الاستقرار السياسي إلى إبطاء النشاط الاقتصادي في تونس وإلى رفع سقف المطالب الشعبية في جميع الدول الثلاث، مما قاد إلى مزيد من الضغوط على المالية العامة في هذه البلدان. أخيراً، كان السبب المشترك الثالث هو البيئة الاقتصادية العالمية العصيبة التي تمثلت في أزمة منطقة اليورو (الشريك التجاري الأكبر لكل من تونس والمغرب) وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية العالمية، وهو ما أثر على هذه الدول الثلاث المستوردة للنفط.

وتجلت الصدمات السلبية الناجمة عن كل ذلك في شكل ثلاثة أعراض مشتركة: ارتفاع عجز الموازنات الحكومية، توسع العجز في الحساب الجاري، واستنزاف للاحتياطيات النقدية. فقد قاد تباطؤ النشاط الاقتصادي إلى تقليص الضرائب المتحصلة، وهو ما أدى بالاشتراك مع تكاليف الدعم المرتفعة إلى رفع العجز في الموازنات الحكومية. كما اتسع العجز في الحساب الجاري لهذه الدول نتيجة للتأثير السلبي لضعف اقتصادات الشركاء التجاريين وتعطل القنوات التجارية على الصادرات، في ذات الوقت الذي ارتفعت فيه فاتورة الواردات مع صعود الأسعار العالمية للطاقة والمواد الغذائية. أدى هذا إلى استنزاف احتياطيات النقد الاجنبي إلى مستويات قريبة من تغطية ثلاثة أشهر فقط من الواردات المحتملة، وهو ما يعتبر كقاعدة عامة على أنه مستوى الأمان الأدنى للبلدان ذات سعر الصرف الثابت.

إجمالي الاحتياطيات الاجنبية

(تغطية تكاليف الواردات المحتملة بالشهور)

 

IMF Programs in MENA

 

المصادر: تقديرات صندوق النقد الدولي، وتحليلات وتوقعات مجموعة QNB

لمعالجة هذه الصدمات السلبية، تمحورت البرامج المدعومة من صندوق النقد في كل من الأردن والمغرب وتونس حول ثلاثة مرتكزات مشتركة: إصلاح الدعم، استقطاب مزيد من الأموال من الخارج، وإرساء سياسات نقدية مناسبة. فهناك ثمة حاجة لبرنامج جيد التخطيط لتخفيض فاتورة الدعم الضخمة بدون تحطيم شبكات الأمان الاجتماعي. من حيث المبدأ، يجب أن يشتمل ذلك على إلغاء دعم الأسعار المقدم من قبل الحكومة، حيث أن أكبر المستفيدين من هذا الدعم هم الشرائح الأعلى دخلاً. ولكن لأن هذا سيؤثر حتماً على الفقراء مع ارتفاع تكاليف العيش بسبب صعود أسعار المواد الغذائية والطاقة المحلية فلابد أن يتضمن الإصلاح أيضاً حماية الشرائح الأقل دخلاً من خلال برامج تحويلات نقدية مستهدفة أو نظم دعم أكثر تركيزاً.

وتمثل المحور الثاني في استقطاب الأموال في شكل قروض أو هبات إضافية، ليس فقط من الدول الأخرى والمنظمات الدولية ، ولكن من أسواق المال أيضاً. فقد نجحت كل من المغرب والأردن في إصدار سندات بالدولار الأمريكي على نحو يعكس ثقة المستثمرين في اقتصاد هذين البلدين والبرامج المدعومة من صندوق النقد الدولي.

بينما تمثل المحور الأخير في إرساء سياسات نقدية متحفظة تتضمن رفع أسعار الفائدة، حيثما كان هذا مناسباً، لأجل استعادة ثقة السوق، والحد من دولرة الودائع، وبناء الاحتياطيات.

لكن، وعلى الرغم من أن استقرار بيئة الاقتصاد الكلي واستعادة ثقة السوق قد ساعدا على تفادي حدوث أزمة في الوقت الحاضر، إلا أن الاقتصادات الثلاثة ما زالت تواجه تحديات أخرى. فلا يزال النمو بطيئاً، حيث من المتوقع أن تكون نسبة النمو الحقيقي في كل من الأردن والمغرب وتونس بحدود 3% إلى 4% في عام 2014. كما لا تزال معدلات البطالة مرتفعة يتوقع أن تصل إلى نسبة 12,5% في الأردن و9,1% في المغرب و16% في تونس في عام 2014. إضافة لذلك، فبرغم التقدم الذي حدث في خفض فاتورة الدعم، لا يزال هناك الكثير الذي يتوجب عمله للحد من التبذير في الإنفاق في هذا المجال.

وإجمالاً، نجحت التأثيرات الإيجابية للبرامج المدعومة من صندوق النقد الدولي في استعادة ثقة المستثمرين في الأردن والمغرب وتونس. كما نجحت سياسات التقويم التي وضعت موضع التنفيذ في البلدان الثلاثة في خفض فاتورة الدعم، واستقطاب الموارد المالية، ووقف النزيف في احتياطيات النقد الأجنبي. ورغم أن ذلك يعدّ تطوراً إيجابيا، إلا أن هناك حاجة لعمل المزيد من أجل الحد من الإنفاق غير الرشيد على الدعم، ولتعزيز النمو الاقتصادي، وخفض معدلات البطالة العالية التي تسود ليس في هذه البلدان الثلاثة فقط، بل في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.