فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير   عربي أو   English  

تحسنت تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة خلال شهري فبراير ومارس 2014، وهو ما أدى إلى مزيد من هدوء الأسواق المالية، غير أنه لم يتم التصدي بدرجة كافية لمعالجة نقاط الضعف الأساسية في بعض الاقتصاديات الناشئة، وهو ما جعلها عرضة لمزيد من نوبات هروب الأموال، وضعف العملات المحلية، وهبوط اسعار السلع. إلا أنه من المتوقع أن يكون أداء بعض الاقتصاديات الناشئة أفضل من غيرها اعتماداً على متانة الأسس الاقتصادية ونجاعة التدابير التي تم اتخاذها حتى الآن لمعالجة اختلالات التوازن.

لقد تدفقت مقادير ضخمة من رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة خلال فترة "التيسير الكميّ" (برنامج شراء الأصول لبنك الاحتياط الفيدرالي) عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008. فقد أدت أسعار الفائدة المتدنية التي قاربت الصفر في الأسواق المتقدمة إلى دفع رؤوس الأموال باتجاه الأسواق الناشئة ذات العائدات العالية. ولكن منذ إعلان بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي في مايو 2013 عن خفض تدريجي في برنامجه لشراء الأصول- المعروف باسم "التيسير الكميّ- عانت الأسواق الناشئة من جولات من هروب رؤوس الأموال مع ارتفاع العائدات في الأسواق المتقدمة، وهو ما قاد إلى إضعاف عملات الأسواق الناشئة، وهبوط أسعار الأسهم والسندات فيها، وتراجع اسعار السلع (أنظر لموضوعنا لشهر فبراير: الأسواق الناشئة تستمر في المعاناة من تقليص برنامج "التخفيف الكميّ" لشراء الأصول.

كان هروب الأموال من الأسواق الناشئة أكثر حدة في شهر مايو 2013 عقب الإعلان المبدئي عن خفض برنامج التيسير الكميّ، ولكن هبطت التدفقات المالية أيضاً لمستويات متدنية جداً في أواخر عام 2013 وشهر يناير 2014 مع بدء التنفيذ الفعلي لخفض البرنامج. ومنذ فبراير 2014، بدأت تدفقات رؤوس الأموال للأسواق الناشئة في التعافي مع تحسن مماثل في اسعار صرف العملات المحلية واسعار الأصول، وهو ما طرح السؤال: هل انتهت أزمة الأسواق الناشئة؟

إن الإجابة المختصرة على السؤال السابق هي: لا. فالأسواق الناشئة التي تضررت أكثر بفعل صعوبات السيولة العالمية التي نشأت عن خفض برنامج التيسير الكميّ تتميز بأربعة عوامل اساسية. أولاً، كانت هذه الدول تعاني من نقاط ضعف هيكلية في اقتصادها، مثل الضخامة النسبية في عجز حساباتها الجارية. ثانياً، كانت لها احتياطيات أجنبية متدنية نسبياً، وهي التي كان بإمكانها أن تعمل كمصدات لامتصاص هروب رؤوس الأموال. ثالثاً، واجهت هذه الاقتصاديات معدلات عالية من تملك الأجانب لديونها، وهو ما ترتب عليه هروب مقادير أكبر من رؤوس الأموال (أنظر مقالنا التحليلي لشهر مارس: امتلاك الأجانب للديون هو أحد المؤشرات الهامة لقابلية الاقتصاد للتعرض لأزمة الأسواق الناشئة. وأخيراً، تباطؤ أو ضعف استجابة السياسات، مثل التأخر في رفع أسعار الفائدة من البنوك المركزية، وهو ما أدى إلى تفاقم هشاشة هذه الاقتصاديات.

محفظة الديون وتدفقات رؤوس الأموال للأسواق الناشئة

(مليار دولار أمريكي)

 

Portfolio flows

 

المصادر: معهد التمويل الدولي، بورتفوليو تراكر، تحليلات وتوقعات مجموعة QNB

 

تشمل الاقتصاديات الناشئة التي تعرضت لأسوا انخفاض في أسعار عملاتها الأرجنتين، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وتركيا، وأوكرانيا. واستناداً إلى العوامل الأربعة المذكورة أعلاه، فهذه هي الدول التي يتوقع لها أن تكون أكثر عرضة لمزيد من هروب رؤوس الأموال. فكل واحدة من هذه الدول كان لها عجز كبير في الحساب الجاري لعام 2013 (3,3% من الناتج المحلي في إندونيسيا، 5,8% في جنوب أفريقيا، 7,9% في تركيا، 9,2% في أوكرانيا)، باستثناء الأرجنتين التي ابقت فيها قيود الصرف الأجنبي مستوى عجز الحساب الجاري قريباً من مستوى التوازن. كما كان لهذه الدول احتياطيات متدنية نسبياً من النقد الأجنبي بنهاية عام 2013 (جميعها كانت عند أقل من 14% من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع متوسط 21% في الاقتصاديات الناشئة الـ 16 التي قمنا بتحليل أوضاعها الاقتصادية)، وهو ما حدّ من قدرة هذه الدول على حماية اسعار صرف عملاتها التي اهتزت بفعل هروب رؤوس الأموال. وإضافة لذلك، يرتفع معدل تملك الجانب للديون في هذه الدول (30,0% من إجمالي الديون السيادية في الأرجنتين، 55,5% في إندونيسيا، 35,8% في جنوب أفريقيا، 42,7% في تركيا، 46,4% في أوكرانيا).

استجابت البنوك المركزية في كل من الأرجنتين وإندونيسيا وتركيا وأوكرانيا بردود فعل متفاوتة لمقابلة هذه التحديات. فقد اضطر البنك المركزي الأرجنتيني لرفع أسعار الفائدة بدرجة عالية (17 نقطة مئوية منذ مايو 2013) مع تبخّر احتياطياته من النقد الأجنبي، وتخفيض قيمة البيسو الأرجنتيني في يناير 2014. وفي إندونيسيا، تم رفع أسعار الفائدة 150 نقطة اساس. وفي تركيا، تم رفع أسعار إعادة الشراء بمقدار 450 نقطة أساس. واتبع البنك المركزي في جنوب أفريقيا سياسة تستهدف التضخم وتم رفع سعر الفائدة الرسمي بمقدار 50 نقطة أساس فقط حتى الآن. ورفع البنك المركزي الأوكراني سعر الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس في 15 أبريل لدعم قيمة العملة المحلية التي تراجعت بما يزيد عن 30% منذ فبراير الماضي مع تفاقم الأزمة السياسية في البلاد.

وفي الجانب الآخر، تمكنت بعض الأسواق الناشئة من تفادي اسوأ تداعيات الأزمة. فقد رفعت البرازيل اسعار بالفائدة بنسبة 3,5% منذ مايو 2013 لدعم قيمة عملتها بالرغم من ضخامة عجز الحساب الجاري (3,6% من الناتج المحلي الإجمالي) واحتياطيات معتدلة من النقد الأجنبي (17,1% من الناتج المحلي الإجمالي) بنهاية عام 2013.وفي الهند، تمكنت براعة سياسات البنك المركزي من الحدّ من تراجع قيمة الروبية الهندية من خلال سياسات استهدفت كبح الواردات وتشجيع الصادرات. كما ساعد تدني مستويات تملك الأجانب للديون (6,3% فقط من الديون السيادية بنهاية عام 2013) أيضاً على حماية الروبية الهندية من فقدان قيمتها. أما في بولندا، فقد استطاعت أسعار الفائدة على مواجهة الأزمة بصورة مدهشة، وذلك جزئياً بسبب الصغر النسبي لعجز الحساب الجاري (1,8% من الناتج المحلي الإجمالي)، واعتدال الاحتياطيات الأجنبية (18,9% من الناتج المحلي الإجمالي) مع تملك الأجانب لحصة كبيرة من الديون (49,5% من الديون السيادية).

 

وفي الخلاصة، لا تزال نقاط الضعف الأساسية في عدد من الأسواق الناشئة قائمة. ويتوقع لخفض برنامج التيسير الكميّ أن يستمر حتى أواخر عام 2014 مع توقع أن يضع مزيداً من الضغوط على هروب الأموال من الأسواق الناشئة الهشة. وعلى ذلك فإنه من المتوقع أن يحدث مزيد من التراجع في قيمة العملات المحلية لهذه الدول، ومزيد من الارتفاع في أسعار الفائدة، مع ضعف في النمو وعدم استقرار في أسواق المال. واستناداً إلى البيانات التي قمنا بتحليلها، يبدو أن أكثر الاقتصاديات الناشئة عرضة للأزمة هي الأرجنتين، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وتركيا، وأوكرانيا. إلا أن هناك مجموعة أخرى من الدول الناشئة التي نجحت حتى الآن في تفادي أسوأ مظاهر الأزمة رغم أنها تظل عرضة لها، وتشمل هذه المجموعة البرازيل، والهند، وبولندا. كما أنه من المتوقع حدوث اضطرابات إضافية في الأسواق الناشئة خلال الأشهر القادمة.