فرنسا  | English

 

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير   عربي أو   English  

تمرّ الصين في الوقت الحاضر بتحول أساسي في هيكل اقتصادها. فخلال السنوات الثلاثين الماضية، كان المحرك الدافع للاقتصاد الصيني هو الصادرات والاستثمارات الحكومية الضخمة، ما جعله ثاني اقتصاد في العالم وساعد على انتشال ما يزيد عن ثلث سكانها من وهدة الفقر. إلا أن هذا النموذج التنموي لم يعد قابلاً للاستمرار حيث أنه قاد إلى زيادة مفرطة في الطاقة الإنتاجية في وقت يتراجع فيه الطلب على الصادرات الصينية. وعلى ذلك فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد إلى 7,7% في عام 2013 وإلى 7,4% في الربع الأول من عام 2014، ورغم أن نسبة النمو هذه لا تزال هي الأعلى بين دول العشرين، إلا أنها تقل بكثير عما كانت عليه سابقاً. وبناءً على ذلك تسعى السلطات الصينية إلى تحويل الهيكل الاقتصادي نحو الطلب المحلي على ضوء الارتفاع الذي حدث في الاستهلاك داخل الصين، وحيث يكون تخصيص الموارد أكثر استجابة لقوى السوق. وإذا نجح هذا التحول، فسيكون له آثار عميقة ليس على مستوى الاقتصادي الصيني فحسب، وإنما على مجمل الاقتصاد العالمي.
 
منذ أن بدأت الصين في الانفتاح الاقتصادي بأوائل ثمانينيات القرن الماضي، سعت جاهدة لتصبح "مصنع العالم". وعن طريق إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة وتنفيذ الاستثمارات الحكومية الضخمة، حققت الصين هدفها. ففي عام 2013، أصبحت الصين أكبر دولة مصدرة وثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي بلغ 9,2 تريليون دولار أمريكي. ويعدّ هذا إنجازاً لافتاً وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الاقتصاد الصيني كان ينمو بمتوسط 10% خلال العقود الثلاث الماضية. وعلاوة على ذلك، أتاح ذلك النمو الاقتصادي خروج ما يزيد عن 500 مليون صيني من دائرة الفقر.
 
غير أن هذا النموذج من النمو الاقتصادي لم يعد له القدرة على الاستمرار والاستدامة. فقد أدى تواصل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية وقطاع التصنيع إلى خلق فوائض في الطاقة الإنتاجية في وقت تراجع فيه الطلب العالمي على الصادرات الصينية. فبحسب الفاينانشيال تايمز، بلغ الإنتاج سلفاً اقل من 75% من القدرة الإنتاجية في العديد من الصناعات. وفي مجال الحديد على سبيل المثال، فإن القدرة الإنتاجية السنوية هي واحد (1) مليار طن، بينما بلغ الإنتاج 720 مليون طن، وهو ما يمثل قريباً من نصف إجمالي الطلب العالمي. وبوضوح، فإن أي استثمارات إضافية في الحديد الصيني لن يكون له سوى مردود سلبي. وهو ما يؤكد الحاجة إلى نموذج جديد للنمو الاقتصادي.
 

إسهام القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي للصين (%)

The Rise of the Chinese Consumer

 المصادر: صندوق النقد الدولي، تقديرات مجموعة QNB

وهنا تتأكد أهمية ارتفاع الاستهلاك المحلي الصيني للمرحلة التالية من النمو الاقتصادي الصيني. كانت الأسر الصينية، لعدة سنوات، توفر أكثر من نصف دخولها المتعاظمة، وذلك جزئياً بسبب غياب شبكة أمن اجتماعي ونظام تقاعد متطور. وفي نطاق حزمة من الإصلاحات الجديدة، تحث الحكومة الآن مواطنيها على الإنفاق. كما خففت مؤخراً من سياسة الطفل الواحد التي تم فرضها عام 1979 للحد من النمو السكاني في البيئات الحضرية، كما قامت الحكومة أيضاً بتحرير اسعار الإقراض، وقدمت المزيد من التمويل للإسكان الاجتماعي، وشجعت الأسر بصفة عامة على شراء المنازل وزيادة الإنفاق. وكجزء من أحدث حزمة من الإصلاحات التي تم تبنيها من قبل الجلسة الثالثة الكاملة للجنة المركزية للحزب الحاكم (Third Plenum)، قررت السلطات أن قوى السوق ستلعب "دوراً حاسماً في تخصيص الموارد". وهذا يعني أنه سيكون بإمكان المزارعين المتاجرة بتأجير اراضيهم (امتلاك الأرض لا زال محظوراً في الصين) أو استخدامها كضمانات للحصول على التمويل من البنوك. كما سيصبح بإمكان القطاع الخاص أيضاً شراء المشاريع/الشركات المملوكة من قبل الدولة من خلال ما يعرف باسم "الهياكل ذات الملكية المختلطة". وأخيراً، تتصور الإصلاحات فتح الاقتصاد الصيني تدريجياً لدخول الاستثمارات الأجنبية عن طريق تحرير حساب رأس المال.
 
لقد حققت الإصلاحات الآنف ذكرها سلفاً نجاحات مهمة. ففي عام 2013، شكل قطاع الخدمات سلفاً حصة أكبر من الصناعة في الاقتصاد الصيني. وإضافة لذلك، أوضحت الأرقام الأخيرة للناتج المحلي الإجمالي للربع الأول من عام 2014 بأن الاستهلاك ينمو أسرع من الاستثمار وبذلك يصبح مساهماً أكبر في النمو الاقتصادي. وهذا له آثار فورية على التدفقات التجارية. فقد أعلنت شركة أبل على سبيل المثال لتوها بتحقيق مبيعات قياسية في الصين بلغت قيمتها 10 مليار دولار أمريكي خلال الربع الأول من عام 2014. ومن المتوقع أن تستمر هذه الاتجاهات في المستقبل القريب وأن تقود إلى شيء من البطء في النمو الاقتصادي خلال السنوات القادمة، ولكن من المرجح أن يكون نمواً أكثر استدامة.
 
كما سيكون للتغير في الهيكل الاقتصادي الصيني أيضاً آثار قوية على الاقتصاد العالمي. فمع نمو الاستهلاك ليصبح مساهماً أكبر في النمو الاقتصادي، فمن المرجح أن تنمو الواردات الصينية من بقية دول العالم بوتيرة اسرع من الصادرات، وهو ما سيؤدي إلى تضاؤل الفائض في الحساب الجاري. كما أنه من المتوقع أن تتغير مكونات الواردات الصينية من المواد الخام المستخدمة في الصناعة إلى السلع الاستهلاكية، وهو ما سيكون له تأثيرات كبيرة على اسواق السلع العالمية، وخاصة المعادن الصناعية. ومن المرجح ايضاً أن يقود الارتفاع في الاستهلاك المحلي إلى زيادة الطلب على الطاقة، بما في ذلك أنواع الوقود النظيف مثل الغاز الطبيعي المسال من دولة قطر. وإضافة لذلك، فحيث أن المزيد من هذه الواردات ستكون بعملة الرنمنبي، فستصبح العملة الصينية عملة أكثر أهمية في النظام المالي العالمي. وأخيراً، من المتوقع أن يقود تحرير حساب راس المال إلى اجتذاب مقادير مهمة من رؤوس الأموال الأجنبية الساعية للاستفادة من العائدات الصينية العالية، وهو ما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع قيمة الرنمنبي.
وإجمالاً، سيؤدي ارتفاع الاستهلاك إلى تحويل الصين إلى اقتصاد متقدم خلال السنوات القادمة. كما سيقود الارتفاع في الاستهلاك المحلي إلى خلق نموذج تنموي أكثر استدامة للصين وإلى تعزيز دور العملة الصينية في الاقتصاد العالمي. وسيكون لذلك بدوره آثار قوية على توازن القوى في الاقتصاد العالمي.