فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير    عربي أو    English   

تعكس أرقام الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة للربع الأول من عام 2014 والتي تم الإعلان عنها في الأسبوع الماضي بأن الاقتصاد الأمريكي يمشي على حبل مشدود بين نمو أعلى وسياسات أكثر تشدّداً. وبينما أوضح الرقم الرئيسي بأن الاقتصاد الأمريكي قد نما بمعدل 0.1% خلال الربع الأول للعام على اساس سنوي، وهي نسبة تقل بكثير عن التوقعات التي كانت تشير إلى معدل نمو يصل إلى 1.2% ربما بسبب عوامل مؤقتة كالطقس السيئ...، فإن نظرة أعمق لهذه الأرقام تساعد على الكشف عن المحركات الأساسية للنمو. وإجمالاً، نتوقع أن يظل النمو في الولايات المتحدة أقل من نسبة 2,0% في عام 2014 لأن من المرجح أن تؤدي السياسات المتشدّدة للاقتصاد الكليّ على تثبيط التعافي في القطاع الخاص. 

كان أحد العوامل الهامة لنمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة خلال العامين الماضيين هو موقف السياسات الاقتصادية الكليّة. فعقب الأزمة المالية لعام 2008، جاءت ردود أفعال صانعي السياسات الأمريكيين على الأزمة عنيفة، حيث تم خفض أسعار الفائدة بشدة إلى نسبة قريبة من الصفر، ثم الشروع في برنامج غير مسبوق للتيسير الكميّ في الجانب النقدي، وإدخال حزمة من الحوافز في الجانب المالي الحكومي. ولكن بدأت السياسة المالية الحكومية في التشدّد خلال 2012-2013، تاركة للسياسة النقدية مهمة حمل الأثقال بمفردها. وهذا ما قاد إلى حدوث معوّق مالي على النمو عندما شرعت الحكومة في خفض إنفاقها وجباية ضرائب أعلى.

المعوّق المالي: إسهام السياسة المالية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي

(2008-2014، %) 

The US Economy Is On a Tight Rope Between Recovery and Policy Tightening

 

المصادر: تحليلات موديز وتحليلات QNB 

في عام 2013 على سبيل المثال، تم تقدير المعوّق المالي بحدود نسبة 1,5% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالرغم من ذلك، ارتفع نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1,9% على نحو يشير إلى نمو أساسي قوي من قبل القطاع الخاص. وإذا استمر القطاع الخاص في أدائه القوي خلال عام 2014، حيث يقدّر للعائق المالي أن يكون بحدود نسبة 0,5% فقط، فمن المرجح أن تجيء نسبة النمو فوق المعدل العادي. ولكن، هل من المتوقع أن يستمر القطاع الخاص في أدائه القوي؟

هناك عاملان يجدر أخذهما في الاعتبار. العامل الأول هو النمو في الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يشكّل حوالي 70% من الناتج المحلي الإجماليّ. وقد تأثر هذا العامل مباشرة بتشديد السياسة المالية في عام 2013 حيث واجه المستهلكون زيادة بلغت 200 مليار دولار أمريكي في ضرائب الأجور والدخل، ما أدى إلى خفض معدّل النمو في مداخيلهم القابلة للإنفاق. وإذا ما زال هذا الأثر في عام 2014، فلابد أن يترتّب على ذلك دافع إيجابي للنمو الاقتصادي. وعلاوة على ذلك، فمع تحسّن أوضاع سوق العمالة وزيادة ثروات الأسر، فمن المفترض أن يضيف ذلك مزيداً من الزخم لنمو الإنفاق.

والعامل المهم الثاني هو سوق الإسكان الذي يملك مقومات إيجابية حيث تناقصت الأعداد الفائضة من المنازل التي تم بناؤها قبل أزمة عام 2008 إلى حد كبير مما ساهم في تقليل العرض في السوق. ونتيجة ذلك، شهد السوق تحسناً كبيراً خلال النصف الأول من عام 2013، ولكنه سرعان ما انتكس بعد الزيادة التي طرأت في اسعار الفائدة العقارية بمقدار 100 نقطة أساس عقب إعلان البنك الاحتياطي الفيدرالي عن رغبته في تخفيض برنامج شراء الأصول المعروف باسم التيسير الكميّ. ومؤخراً، أظهر سوق الإسكان مجددا مؤشرات ضعف مع انخفاض مبيعات المنازل الجديدة بنسبة 14,5% في مارس 2014. ويتبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان سوق الإسكان سيدفع أم يثبّط نمو القطاع الخاص خلال الفترة القادمة.

على الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد، يعود قدر كبير من المخاطر المحتملة خلال السنة إلى تأثير التخفيض الحالي في برنامج التيسير الكميّ والزيادة المبكرة المحتملة في أسعار الفائدة للمدى القصير. وإذا قدّر لذلك أن ينعكس في شكل عائدات أكبر للسندات ذات المدى الطويل، ثم لاحقاً، في أسعار الفوائد العقارية، فقد يترتب علي ذلك مزيد من الإضعاف للسوق العقاري وقطاع البناء كما حدث خلال النصف الثاني من عام 2013. كما قد يؤثر أيضاً على المستهلكين من خلال التأثير على ثرواتهم بخفض أسعار الأسهم والمنازل. وإذا تعاظمت هذه التأثيرات لحد معين، فمن المحتمل أن يؤدي ضعف الاستهلاك والاستثمار الخاص إلى نمو بمعدل أقل من العادة حتى لو عملت الحكومة على الحد من عامل المعوّق المالي.

وإجمالاً، فإن الاقتصاد الأمريكي يمشي على حبل مشدود بين تعافي وليد وتشديد في سياسات الاقتصاد الكليّ. وإذا ما استمر نشاط القطاع الخاص في النمو السريع، بالرغم من وجود تأثير المعوّق المالي والسياسة النقدية الأكثر تشدّداً، فبإمكان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أن يصل إلى 2,0% - 2,5% في عام 2014. إلا أن هناك ثمة مخاطر كبيرة بأن يؤدي تخفيض برنامج التيسير الكميّ إلى تثبيط هذا الزخم، وهو الأمر الذي يرجح معه بأن يأتي النمو بنسبة أدنى.