فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي أو English

فاجأ البنك المركزي الأوروبي الأسواق في الرابع من سبتمبر بإعلانه عن أول جرعة من التيسير الكمي لاقتصاد منطقة اليورو المحتضر، فقد تم تخفيض أسعار الفائدة بـ10 نقاط أساس، ما أدى إلى تراجع سعر الفائدة على الودائع أكثر نحو المنطقة السلبية (-0.2٪). وانضم البنك المركزي الأوروبي متأخراً إلى البنوك المركزية الرئيسية الأخرى بالإعلان عن التيسير الكمي عبر شراء أصول القطاع الخاص. لكن ينبغي الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الحزمة الجديدة من التدابير، التي باتت تعرف باسم دراغينوميكس (قياساً على اسم رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي)، ستكفي لحل مشاكل منطقة اليورو المتمثلة في النمو البطيء وارتفاع معدلات البطالة وتراجع معدلات التضخم إلى مستويات تقترب من الصفر. لكن السياسة الجديدة بدأت بالفعل تحقق مزيداً من الانخفاض في سعر صرف اليورو، وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الصادرات وتفادي حدوث انكماش في الأسعار.

سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي

Euro-US Dollar Exchange Rate (EUR:USD)

 المصادر: بلومبرغ وتحليلات مجموعة QNB

وكان البنك المركزي الأوروبي قد تلقى سابقاً مجموعة كبيرة من التسهيلات النقدية لتحفيز النشاط الاقتصادي في اجتماع يونيو (انظر تحليلنا الاقتصادي بتاريخ 15 يونيو 2014). تضمنت حزمة التسهيلات تقديم نسبة سلبية لسعر الفائدة على الودائع (-0.1٪) - وهي المرة الأولى التي يطلب فيها أحد البنوك المركزية الرئيسية من البنوك التجارية الكبرى الدفع مقابل ودائعهم في البنك المركزي. كما تضمنت الحزمة عمليات إعادة تمويل مستهدفة طويلة الأجل تهدف إلى توفير تمويل قليل التكلفة للبنوك من أجل تشجيع الاقراض إلى الاقتصاد الحقيقي. وفي حين يتطلب ظهور أثر السياسات النقدية على الاقتصاد الحقيقي بعض الوقت (في الواقع، من المقرر أن تبدأ أول عمليات إعادة تمويل مستهدفة طويلة الأجل في سبتمبر)، إلا أن بيانات الاقتصاد الكلي الضعيفة الأخيرة في منطقة اليورو قد حثت البنك المركزي الأوروبي لبذل المزيد من الجهود في الأسبوع الماضي.

فقد ظل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو متعثراً منذ اجتماع يونيو، حيث ظل الناتج المحلي الإجمالي ثابتاً في الربع الثاني من 2014 مقارنة مع الربع السابق. وتشير استطلاعات مؤشر مديري المشتريات إلى أن التوسع كان متواضعاً في الربع الثالث، مع حدوث انكماش في اقتصادات بلدان مثل فرنسا وإيطاليا. غير أن الأمر الأكثر خطورة هو استمرار تراجع معدلات التضخم في منطقة اليورو حيث انحسر التضخم تدريجياً من 0.4٪ في يوليو إلى 0.3٪ في أغسطس. ويتوقع أن يبقى معدل التضخم أقل بكثير من المعدلات المستهدفة المعلنة من قبل البنك المركزي الأوروبي، التي ينبغي أن تكون "أقل، ولكن قريبة من 2٪". وقد دفعت مخاطر حدوث انكماش في الأسعار وركود النشاط الاقتصادي غالبية - ولكن للأسف ليس كل - أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي للتصويت لصالح تدابير تيسير إضافية.

وقد أعلن البنك المركزي الأوروبي وللمرة الأولى عن خطته لبدء نسخته الخاصة من سياسات التيسير الكمي. يأتي ذلك بعد ما يقارب ست سنوات من تقديم بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي الحزمة الأولى من التيسير الكمي استجابة للأزمة المالية العالمية. ومن المقرر أن يشتري البنك المركزي الأوروبي ابتداء من أكتوبر 2014 محفظة من الأصول في القطاع الخاص تشمل الأوراق المالية المدعومة بالأصول والسندات المغطاة. وسيتم تمويل هذه المشتريات من خلال توسيع القاعدة النقدية. ويهدف البنك المركزي الأوروبي لاستخدام التسهيل الكمي و عمليات إعادة التمويل المستهدفة طويلة الأجل لإحداث توسع كبير في حجم ميزانيته العمومية بحوالي 1.0 ترليون يورو ليصل إلى حوالي 3.0 ترليون يورو، وهو المستوى الذي وصل إليه حجم الميزانية في بداية عام 2012.

ويمكن أن يكون لهذا التوسع الكبير في الميزانية العمومية تأثير كبير على اليورو، بخلاف التحركات طويلة الأجل في أسعار العملات التي تحكمها الأسس الاقتصادية مثل ميزان الحساب الجاري والإنتاجية، فإن التحركات قصيرة الأجل تميل إلى أن تكون مرتبطة بفروقات أسعار الفائدة. ومع اقبال المستثمرين على اقتراض الأموال من البلدان التي تقدم نسب فائدة منخفضة بغرض استثمارها في بلدان ذات معدل فائدة مرتفع (ما يسمى بتجارة المناقلة)، فإن التدفقات الناتجة تؤدي إلى ارتفاع أسعار العملات ذات العائد العالي.

وقد أدت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى حدوث تراجع في معدلات الفائدة قصيرة الأجل إلى أن وصلت إلى ما يقارب الصفر تقريباً في معظم الاقتصادات المتقدمة، لذلك ركز تجار المناقلة على الحجم النسبي للميزانيات العمومية للبنوك المركزية الكبرى كإجراء بديل للشروط النقدية. فعلى سبيل المثال، أصبح الفرق في معدلات نمو بنك الاحتياطي الاتحادي الأمريكي مقابل الميزانية العمومية للبنك المركزي الأوروبي دافعاً هاماً لسعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي. وفي حال كان معدل النمو في الميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أكبر من معدل نمو الميزانية العمومية للبنك المركزي الأوروبي (كما هو الحال منذ النصف الثاني من عام 2012) يفسر تجار المناقلة ذلك على أنه تشديد للشروط النقدية في منطقة اليورو مقارنة بالولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، يرتفع سعر اليورو مقابل الدولار الأمريكي، كما حدث خلال تلك الفترة.

ما هي الدلالات المستقبلية لذلك؟ يتوقع أن يُنهي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برنامج شراء الأصول في أكتوبر 2014، ويرجح أن يستقر حجم ميزانيته العمومية بعد ذلك عند حوالي 4.5 مليار دولار أمريكي. من جانب آخر، يريد البنك المركزي الأوروبي توسيع حجم ميزانيته العمومية إلى حوالي 3.0 ترليون يورو. وفي حال كانت الحركة في سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي مرتبطة - كما حدث في الماضي القريب – إلى حد كبير بالنمو النسبي في ميزانيات البنوك المركزية، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض في سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي إلى 1.25 تقريباً في الأشهر المقبلة. ومن المحتمل أن يكون للأسس الاقتصادية، بما في ذلك فائض الحساب الجاري الضخم في منطقة اليورو، تأثير على سعر الصرف كذلك.

نمو الميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي مقابل نمو ميزانية البنك المركزي الأوروبي والتغير في سعر صرف اليورو مقابل الدولار % 

Fed vs. ECB Balance Sheet Growth and EUR:USD % Change

  المصادر: البنك المركزي الأوربي ويوروستات ومجلس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتحليلات وتوقعات مجموعة QNB

 بشكل عام، قد تساعد سياسة دراغينوميكس منطقة اليورو في تحقيق التعافي الاقتصادي وتفادي حدوث انكماش. وعلى الرغم من أن خطة منطقة اليورو الرئيسية الجديدة – المتمثلة في برنامج للتيسير الكمي في القطاع الخاص – جاءت متأخرة مقارنة بالبنوك المركزية الرئيسية الأخرى، ولكن أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً.