فرنسا  | English

 يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

يمكن للتراجع الكبير الذي طرأ على أسعار السلع خلال الأسابيع الأخير ة- مقترناً بآفاق اقتصادية عالمية آخذة في التردّي وتصحيحات كبرى في أسواق الأسهم والسندات العالمية- أن يقود إلى "الانكماش الكبير"، أي إلى دوّامة من أوضاع انكماش الأسعار/الأصول حول العالم. وتزداد مخاطر حدوث مثل هذا السيناريو مع الهبوط الشديد في أسعار النفط الخام خلال الأسبوع الأخير والتصحيحات الهامة التي شهدتها أسواق الأسهم والسندات الكبرى. وإذا ما استمرت هذه الاتجاهات- ما لم تعمل الحكومات حول العالم على تحفيز الطلب المحلي من خلال مزيد من الإنفاق الحكومي- فمن المرجح أن يحدث انكماش كبير يؤدي إلى مزيد من تفاقم الآفاق الاقتصادية العالمية الهشة سلفاً.

يتم تعريف الانكماش بأنه هبوط عام في الأسعار . وهو يقود بصفة عامة إلى إبطاء النشاط الاقتصادي مع تأجيل اتخاذ القرارات حول الاستهلاك والاستثمار (بسبب انتظار الأسر والشركات لأسعار أكثر انخفاضاً في المستقبل) وتخلّف أعداد أكبر من المقترضين عن سداد قروضهم بسبب تراجع قيمة ضماناتهم إلى مستوى أقل من قيمة القروض. وإذا ما اقترن انكماش الأسعار بهبوط عام في أسعار الأصول، فإن تأثير الانكماش قد يصبح مدمراً لأن انكماش الأسعار والأصول يساعد على خلق حلقة مفرغة من الهبوط في الدخل والاستثمار والاستهلاك. ويعد "الانكماش الكبير" الذي شهدته كل من بريطانيا والولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر، و"الكساد الكبير" الذي ساد العالم في ثلاثينيات القرن العشرين أفضل نموذجين تاريخيين لمثل هذه الحلقة المفرغة.

لقد حذرنا سلفاً في أغسطس الماضي بأن تواصل هبوط أسعار المواد الغذائية العالمية قد يزيد من مخاطر حدوث انكماش عالمي (أنظر تحليلنا الاقتصادي الشهري بتاريخ 24 أغسطس 2014). ومنذ ذلك التاريخ، تراجعت أسعار الطاقة، ما زاد من الضغوط الانكماشية العالمية. وبصفة خاصة، هبطت أسعار خام برنت بمقدار يزيد عن الربع منذ الذرة التي وصلتها في عام 2014 بسعر 113 دولار أمريكي للبرميل في 19 يونيو. وإجمالاً، هبطت أسعار السلع العالمية بنسبة 8,3% في الأشهر التسعة الأولى من عام 2014 ثم تراجعت أكثر بأوائل شهر أكتوبر، وفقاً لأحدث مؤشرات أسعار السلع لصندوق النقد الدولي.

مؤشرات أسعار السلع العالمية لصندوق النقد الدولي

(يناير 2013 = 100)

 

Is the World Economy Heading for the Great Deflation

 المصادر: صندوق النقد الدولي وتحليلات مجموعة QNB

 وفي نفس الوقت، شهدت أسواق الأسهم والسندات تصحيحات هامة. فخلال الشهر حتى 15 أكتوبر، هبط مؤشر ستاندارد آند بورز 500 الأمريكي بنسبة 6,8%، ومؤشر داكس الألماني بنسبة 12,0%، ومؤشر نيكاي الياباني بنسبة 6,2%. ويبدو أن هذه التصحيحات كانت مدفوعة بتحول المستثمرين إلى السندات طويلة الأجل لدرء مخاطر الانكماش. ونتيجة لذلك، تراجعت عائدات السندات السيادية لأجل عشر سنوات بنسبة 2,1%، بينما وصل تراجع العائدات في ألمانيا إلى مستوى أدنى تاريخي بلغ نسبة تقل عن 0,8%، وتراجعت في اليابان لأقل من نسبة 0,5%. وعلاوة على ذلك، ارتفعت أسعار المنازل في الولايات المتحدة بأبطأ سرعة لها خلال 20 شهراً في شهر يوليو، وفقاً لمؤشر ستاندرد آند بورز- كيس شيلر. كما أن أسعار المنازل في بريطانيا أيضاً تظهر بعض مؤشرات التراجع. وبوضوح، يبدو أن انكماش الأصول العالمية ينتشر على نطاق كافة فئات الأصول.

ما الذي قد يعنيه حدوث انكماش عالمي بالنسبة للاقتصاد العالمي؟ أولاً، إن منطقة اليورو ستدخل على الأرجح في مرحلة الانكماش في وقت لاحق من هذه السنة. كما يُرجح أن يقود الهبوط في أسعار السلع، مقروناً بنشاط اقتصادي ضعيف للربع الثاني والتصحيحات الكبيرة في أسعار الأسهم والسندات، بتحويل معدل للتضخم الأساسي المسجل في سبتمبر 2014 والذي بلغت نسبته 0,3% إلى نسبة سلبية. وقد يتسبب ذلك في اتخاذ البنك المركزي الأوربي لمزيد من تدابير التيسير الكميّ، مع احتمال أن يقوم بشراء سندات سيادية.

ثانياً، من المتوقع لمعدلات التضخم في المملكة المتحدة والولايات المتحدة أن تتباطأ أكثر خلال الربع الرابع للسنة. لقد هبط معدل التضخم في بريطانيا إلى 1,2% في شهر سبتمبر على اساس سنوي، وهو المستوى الأدنى له خلال خمس سنوات. وتراجع التضخم في الولايات المتحدة إلى 1,7% في أغسطس وكان سلبياً على اساس شهري. وبالرغم من أن معدل التضخم قد لا يتحول إلى نسبة سلبية، إلا أن معدل التضخم المنخفض سيضع ضغوطاً نزولية على النشاط الاقتصادي، خاصة إذا اقترن ذلك بتراجعات أخرى في أسعار السلع البريطانية والأمريكية، بما في ذلك اسعار المنازل.

ثالثاً، ستتأثر التجارة العالمية سلبياً بهبوط اسعار السلع. وسيؤثر ذلك بدوره سلبياً على الأسواق الناشئة المصدرة للسلع، حيث يرجح أن يفاقم انخفاض عائدات الصادرات من التباطؤ الاقتصادي الحالي الذي يرجع لهروب رؤوس الأموال عقب إعلان بنك الاحتياطي الفيدرالي عن خفض برنامج التيسير الكميّ في مايو 2014.

لكن من المرجح أن تظل دولة قطر محصنة جيداً في حال تعرض الاقتصاد العالمي للانكماش الكبير . وبالرغم من أن تراجع أسعار الطاقة قد يعني أن فوائض الحساب الجاري والفوائض المالية ستكون أقل، إلا أن الدولة ستتوفر لها باستمرار موارد مالية كافية لتنفيذ برنامجها الاستثماري الطموح، ما سيقود لنمو من رقمين عشريين في القطاع غير النفطي مع إبقاء معدل التضخم بإحكام في المنطقة الموجبة.

ما الذي يمكن عمله لتفادي وقوع "الانكماش الكبير"؟ في كل من الولايات المتحدة، والآن في منطقة اليورو، ، أثبتت السياسات النقدية (بما فيها التيسير الكميّ) أنها غير كافية لحد ما في تفادي الدخول في بيئة انكماشية. ووفقاً للفكر الاقتصادي النظري، تعتبر زيادة الإنفاق الحكومي الأداة الحقيقية الوحيدة لمكافحة الانكماش بغية دعم الطلب المحليّ الذي سيكون بمقدوره أن يعمل على استقرار مستوى الأسعار. إلا أن ذلك سيتفاوت بتفاوت تطور ومديونية كل بلد على حده. وفي كل الأحوال، فإن عدم الإسراع في اتخاذ التدابير المناسبة سيجعل فرص وقوع "الانكماش الكبير"

أكثر رجحاناً.