فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

تفاجأ المراقبون بالمعطيات التي صدرت في الأسبوع الماضي حول الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليابان خلال الفصل الثالث. فبدلا من أن ينمو، انكمش الاقتصاد الياباني بمعدل سنوي 1,6%. وجاء ذلك بعد انخفاض في الفصل الثاني بنسبة 7,3%، وهو ما يعني أن الاقتصاد الياباني من الناحية الفنية يشهد حالة من الركود مرة أخرى. فهل يعني هذا أن السياسات الاقتصادية لرئيس الوزراء شينزو آبي، المعروفة بـ أبينوميكس، قد فشلت في انتشال الاقتصاد من عقدين من انكماش الأسعار وضعف النمو؟ في نظرنا، هذا الأمر غير صحيح. فالسياسات اليابانية تتجه في الطريق الصائب لإخراج الاقتصاد الياباني من الانكماش، غير أن الطلب العالمي الضعيف وانخفاض أسعار السلع يجعلان تحقيق هذه الغاية أمرا أكثر صعوبة
 
معدلات التضخم في اليابان (معامل انكماش الناتج المحلّي الإجمالي)
(% تغيير على أساس سنوي)
Inflation in Japan (GDP Deflator)
 
المصادر: صندوق النقد الدولي وتحليلات مجموعة QNB
 
مرت تقريبا سنتان على استلام شينزو آبي لمنصب رئيس الوزراء في ديسمبر من عام 2012 حيث جاء بهدف إحياء الاقتصاد الياباني بعد حالة الجمود الطويلة التي عاشها. وقبل مجيء آبي إلى السلطة، شهد ما يعرف بـ "العقد الضائع" في اليابان (أو العقدين الضائعين على نحو أدق) ثلاثة مشاكل رئيسية. أولا، ظل النمو في اليابان ضعيفا منذ أزمتها المالية في بداية التسعينيات حيث نما الاقتصاد الياباني بمعدل سنوي أقل من 1,0% في المدة ما بين 1991 و2013 مقارنة بأكثر من 4,0% في فترة الثمانينيات. ويعود الإشكال جزئيا إلى تفجّر فقاعات قطاع الإسكان وسوق الأسهم، ولكن تفاقم أكثر مع انخفاض عدد السكان الذي أدى إلى تقليص الطلب في الاقتصاد.
 
ثانيا، انحدر مستوى الطلب الإجمالي وحصل انكماش في الأسعار حيث قلص القطاع الأسري وقطاع الشركات من إنفاقهما بهدف تخفيض المستوى العالي من الدين الذي كانوا يعانون منه. وأدى انكماش الأسعار إلى هبوط مستوى الطلب الإجمالي أكثر حيث تم تأجيل الاستهلاك في انتظار انخفاض أكبر للأسعار في المستقبل، كما تم تقليص الاستثمارات حيث ارتفعت أسعار الفائدة الحقيقية. ثالثا، عندما تدخلت الحكومة وقامت بتدابير تحفيزية لدعم الطلب الإجمالي، استفحل الدين الحكومي حيث ارتفع من نسبة 69,4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991 إلى حوالي 243% سنة 2013، مثيرا تساؤلات حول مدى القدرة على الحفاظ على سلامة المالية العمومية.
 
لقد حاولت السياسة الاقتصادية التي ينهجها رئيس الوزراء آبي معالجة هذه المشاكل عبر "ثلاثة أسهم " وهي التيسير النقدي والتحفيز المالي والإصلاحات الهيكلية. وفور تسلم آبي للسلطة تقريبا، حدد البنك المركزي الياباني معدل التضخم المستهدف بـ 2% في محاولة للابتعاد من انكماش الأسعار. وتبع ذلك تعديل شامل في إدارة البنك المركزي الياباني حيث تم تعيين محافظ جديد ونائبين له. ولم تضيع القيادة الجديدة للبنك المركزي الوقت حيث أطلقت برنامجا ضخما لشراء الأصول (التيسير الكمي) خلال أول اجتماع لها في أبريل 2013. كما تبع ذلك جولة أخرى من التيسير الكمي في نوفمبر 2014.
 
فيما يخص الجانب المالي، عمدت هذه السياسة الاقتصادية للتوليف بين زيادات دائمة في الضرائب (بهدف الحفاظ على سلامة المالية العمومية في المدى الطويل) وتحفيزات مالية مؤقتة (للحفاظ على الطلب الإجمالي في المدى القصير). أما الشطر الثالث من "الأسهم الثلاثة" لسياسة آبي فيشمل إصلاحات هيكلية لدعم طاقة الطلب في الاقتصاد مع محاولات لزيادة نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة لمواجهة تأثير تناقص عدد السكان. بالإضافة لذلك، تهدف هذه الإصلاحات لدعم التنافسية والإنتاجية في سوق العمل وكذلك في قطاعي الزراعة والصحة. غير أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا طويلا لتعطي النمو المرغوب.
 
كان التأثير الأولي لسياسة أبينوميكس إيجابيا نوعا ما، خصوصا برنامج التيسير الكمي حيث شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا بنسبة 1,5% في 2013 ووصل تضخم أسعار المستهلك إلى نسبة 1,6% في شهر مارس 2014. وكان تجاوب التوقعات بشأن التضخم بشكل إيجابي مع التدابير الجديدة إشارة إلى أن الاقتصاد قد ينجو أخيرا من خطر انكماش الأسعار. ونتيجة لذلك، شعر صناع القرار بثقة أكبر للمضي قدما في تنفيذ الزيادة المخطط لها في ضريبة الاستهلاك من 5% إلى 8% في أبريل 2014.
 
عقب رفع الضريبة، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7,3% خلال الفصل الثاني من سنة 2014. وقد عزي ذلك في البداية إلى كون المستهلكين حولوا مشترياتهم إلى الفصل الأول من السنة (حيث وصل النمو إلى نسبة 6,7%) قبل رفع الضريبة، لذلك كان من المتوقع أن يأخذ هذا الانخفاض طابعا مؤقتا. لكن، تشير المعطيات حول الناتج الإجمالي الحقيقي خلال الفصل الثالث والتي كانت منخفضة أكثر من المتوقع إلى أن تأثير رفع الضريبة قد يمتد لوقت أطول. علاوة على ذلك، فإن الطلب الضعيف على الصادرات اليابانية بسبب تعثر الاقتصاد العالمي زاد من هبوط أرقام الناتج المحلي الإجمالي في الفصل الثالث رغم الدعم الذي وفره ضعف الين الياباني للقدرة التنافسية. وقد تعثر أيضا التقدم الذي كان قد طرأ على مستوى معدل التضخم ويرجع ذلك جزئيا إلى هبوط أسعار السلع بما أن اليابان تعتبر واحدة من أكبر مستوردي السلع في العالم.
 
كل ذلك يضع سياسة أبينوميكس الاقتصادية في منعطف طرق. فإما مواصلة تنفيذ المخطط الأصلي بزيادة أخرى في ضريبة الاستهلاك (من 8% إلى 10% ابتداء من شهر أكتوبر 2015) والمخاطرة بتفاقم الركود أكثر ، أو تأجيل رفع الضريبة إلى أن يستعيد الاقتصاد سرعته من أجل تفادي حدوث انكماش في الأسعار والمخاطرة بحصول أزمة مالية بالنظر للمستويات المرتفعة للدين الحكومي. وقد فضّل رئيس الوزراء آبي اللجوء للخيار الثاني حيث قرر تأجيل رفع الضريبة إلى أبريل 2017 والدعوة إلى انتخابات مبكرة في وقت لاحق من هذا العام.
 
يمثل هذا الأمر تساؤلاً حقيقياً بعد التفاؤل الذي أحاط بسياسة أبينوميكس الاقتصادية في البداية. والدرس الذي يمكن استنباطه من التجربة اليابانية هو أن الهروب من فخ انكماش الأسعار ليس بالأمر السهل. بل يكون ذلك أصعب حين يتعثر الاقتصاد العالمي وتنزل أسعار السلع العالمية. لذلك، يُفضل في المقام الأول القيام بكل ما يجب لتجنب الوقوع في فخ انكماش الأسعار . كما أن على منطقة اليورو الاستفادة من هذا الدرس.