فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو  English 

  مع اقتراب نهاية عام 2014، تبدو علامات الضعف على الاقتصاد العالمي مع وجود مخاطر عالية تنبئ بحدوث مزيد من التدهور. ومن المتوقع أن تبرز آثار بعض هذه المخاطر خلال السنة القادمة، ما سيجعل الاقتصاد العالمي في وضع أسوأ مما كان عليه في عام 2014. ونقدم فيما يلي خمسة تنبؤات يتوقع لها أن ترسم صورة الاقتصاد العالمي في عام 2015 وما بعده.

 عندما ننظر للوراء، كانت توقعاتنا لعام 2014 هي أن يحدث قدر من التعافي المعتدل في الاقتصاد العالمي على نحو يؤمّن خروجاً سلساً من فترة التيسير الكميّ في الولايات المتحدة ثم استعادة النمو العالمي لمستويات ما قبل الأزمة. ولكن كشف الواقع عن صورة مغايرة تماماً لتلك التوقعات.

 فقد جاء التعافي في الاقتصاد الأمريكي بصورة غير مستوية مع نمو سلبي في الربع الأول من العام، وما تبعه من نمو سريع خلال الربعين التاليين. كما تلاشي التعافي الهش في منطقة اليورو تاركاً منطقة العملة الموحدة في وضع قريب من الكساد مع وجود مخاطر بالوقوع في الانكماش. وظلت اليابان في قبضة الانكماش- بالرغم من التوسع الكبير في ميزانية بنك اليابان والانخفاض الملحوظ في قيمة الين- وهوت مجدداً إلى وضع الكساد في الربع الثالث من العام. وبينما ظل النمو في الصين فوق مستوى 7,0% بفضل سلسلة من المحفزات المالية والنقدية، إلا أن الهبوط المستمر في أسعار المنازل خلال الشهور السبعة الأخيرة أدى إلى إضعاف شديد للاستهلاك الخاص. واستمرت الأسواق الناشئة في التباطؤ وسط تراجع في أسعار السلع وتباين في السياسات المتبعة من قبل الدول المعنية. وفي منطقة مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا جنوب الصحراء، استمر النمو قوياً على خلفية الإنفاق العالي على البنى التحتية. غير أن الهبوط الحاد الذي حدث مؤخراً في أسعار النفط يلقي بظلاله على زخم النمو مستقبلاً.

غير أن المفاجأة الكبرى تمثّلت في الضغوط النزولية المستمرة على التضخم في الاقتصاد العالمي. وقد حذرنا سلفاً من مخاطر حدوث "الانكماش الكبير" (أنظر تحليلنا الاقتصادي بتاريخ 21 أكتوبر). ومنذ ذلك الوقت، بدا كما لو كان هذا الخطر يتحقق في الواق. فقد أدى ضعف النمو العالمي الذي جاء أسوأ من المتوقع إلى مزيد من التراجع الحادّ في اسعار السلع. وهبط مؤشر السلع العالمية لصندوق النقد الدولي بنسبة 17,4% خلال الاثني عشر شهراً حتى نوفمبر 2014، ما يعكس تراجعاً بنسبة 23,2% في أسعار الوقود وبنسبة 5,8% في أسعار السلع الأخرى. ومن المرجح أن تكون هذه الضغوط النزولية القوية على التضخم هي العامل الحاسم في الاقتصاد العالمي مستقبلاً.

 استشرافاً للمستقبل، بإمكاننا أن نقدم التنبؤات الخمسة التالية لما سيكون عليه وضع الاقتصاد العالمي في عام 2015.

 1- لن يلجأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة في عام 2015. فعلى نقيض الإجماع بتوقع زيادة في أسعار الفائدة خلال الربع الثاني لعام 2015، نعتقد بأن الضغوط النزولية العالمية على التضخم والارتفاع المستمر في قيمة الدولار الأمريكي سيقودان في الأرجح إلى نسبة تضخم تقارب الصفر في الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، لن يكون هناك مبرر للجوء بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة مع بقاء توقعات التضخم أقل من نسبة التضخم المستهدفة التي تبلغ 2%. وإذا لجأ بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، ستكون آثار هذا الإجراء سيئة للغاية على مجمل الاقتصاد العالمي.

 2- ستدخل منطقة اليورو فترة من انكماش الأسعار ثم مرحلة أخرى من الكساد. إن الهبوط الحاد الذي حدث مؤخراً في أسعار النفط سيدفع بمنطقة اليورو نحو انكماش الأسعار في عام 2015، بالرغم من الجهود المستميتة التي يبذلها البنك المركزي الأوربي لتفادي ذلك. وسيقود هذا حتماً إلى إضعاف الاستهلاك والاستثمارات، وهو ما سيدفع بمنطقة العملة الموحدة إلى فترة أخرى من الكساد.

 3- سيتباطأ زخم النمو في الصين وسط مخاوف قوية بوقوع انكماش في الأسعار. فسيستمر عاملا الانخفاض في أسعار المنازل والتراجع في أسعار السلع العالمية على إضعاف الطلب المحليّ وخلق ضغوط نزولية قوية على التضخم. ومن المرجح أن تلجأ السلطات الصينية إلى مزيد من تحفيز الاقتصاد، إلا أن هذا التحفيز الجديد لن يكون سوى امتداد للتحفيزات السابقة وقد لا يكون كافياً لتفادي حدوث تباطؤ شديد في النمو. كما من المرجح أن يقود التباطؤ في النمو إلى معدل تضخم قريب من الصفر.

 4- من المتوقع أن تواجه عدة دول من الاقتصادات الناشئة المصدرة للنفط أزمة في حساب المدفوعات. فالهبوط الشديد في اسعار النفط الخام قد يدفع بدول مثل روسيا وفنزويلا إلى العجز عن سداد التزاماتها. وقد يؤدي ذلك إلى نشر العدوى عبر الاقتصادات الناشئة الأخرى، ما قد يجبر المؤسسات العالمية للتدخل.

 5- سيقود الانخفاض في أسعار السلع وضعف الاقتصاد العالمي حتماً إلى تباطؤ في زخم النمو القوي في دول مجلس التعاون الخليجي ودول أفريقيا جنوب الصحراء المصدرة للنفط. وبصفة أخص، فإن التراجع الأخير في أسعار النفط سيُجبر دول المنطقتين إلى إعادة النظر في برامج استثماراتها الطموحة في البنية التحتية. ويرجح أن يكون الاستثناء الوحيد من ذلك هو دولة قطر، حيث أنه من غير المحتمل أن يتم تأخير البرنامج الاستثماري القائم في نطاق الاستعداد لكأس العالم لعام 2022.

 خلاصة القول، يُرجح أن يكون النمو في عام 2015 أضعف بكثير مما كان عليه في عام 2014. ورغم أن تقرير صندوق النقد الدولي حول آفاق النمو الاقتصادي- الصادر في أكتوبر 2014- يتوقع للنمو العالمي أن يرتفع من 3,3% في عام 2014 إلى 3,8% في عام 2015، ولكن إذا صدقت تنبؤاتنا، فإن الأرجح هو أن يجيء نمو الاقتصاد العالمي بنسبة بين 1,5% و 2,0% فقط. فأحياناً، كما قيل في الشعر العربي القديم، "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن".