فرنسا  | English

 

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

 

ظل نمو التجارة العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية أقل بكثير من معدله لما قبل فترة الأزمة المالية العالمية. وهذا ما يثير الأسئلة حول أسباب الركود الذي يحيق بالتجارة العالمية، وعمّا إذا كان من المتوقع أن تنتعش إلى المستويات التي كانت عليها قبل الأزمة. في جانب الطلب، أسهم انخفاض النمو العالمي في إضعاف النشاط الاقتصادي العالمي، ومن المتوقع أن يعمل على خفض نمو التجارة مستقبلاً. إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب، فقد أسهمت أيضاً عوامل أخرى مثل التغيير في هيكل سلسلة الإمداد وتصاعد السياسات الحمائية في تخفيض التجارة العالمية. ومن المحتمل أن تؤدي هذه الاتجاهات الهيكلية طويلة المدى لإبقاء نمو التجارة العالمية عند مستويات منخفضة تقل عن ما كانت عليه قبل الأزمة لسنوات أخرى قادمة.

كان نمو التجارة العالمية يزداد بمعدل سنوي نسبته 5,9% خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 2008، ثم هبط بحدة إلى -10,6% خلال فترة الكساد في عام 2009 عقب الأزمة المالية، ثم ارتد مرتفعاً بقوة خلال العامين 2010و2011 إلى 9.6% في المتوسط. ولكن النمو السنوي لحجم التجارة العالمية خلال الفترة 2012-2014 كان ضعيفاً نسبياً عند 2,8%. وبالإمكان أن نعزو جزءاً من هذا الانخفاض إلى ضعف الطلب العالمي. فقد جاء نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3,3% في الفترة 2012-2014 على أساس تعادل القوة الشرائية، مقارنة بنسبة 3,6% خلال الفترة من 1980 إلى 2008. وعلاوة على ذلك، كانت التجارة العالمية في العادة 1,6مضروباً في من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذا يعني أنه كان يتعين على التجارة العالمية أن تنمو بنسبة 5,3% خلال السنوات 2012-2014، بينما كانت نسبة نموها في الحقيقة أقل من نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وعلى ذلك فإن عامل ضعف الطلب ليس سبباً كافياً لتفسير الانخفاض في التجارة العالمية، وهو ما يضطرنا للبحث عن الأسباب الأخرى التي تحدّ من نمو التجارة العالمية.

التجارة العالمية ونمو الناتج المحلي الإجمالي الدولي

(نسبة تغيير)

 

التجارة العالمية ونمو الناتج المحلي الإجمالي الدولي

 

 

المصدر: صندوق النقد الدولي واقتصاد QNB

أولاً، إن عامل صعود الصين والولايات المتحدة إلى مركز أكبر بلدين تجاريين في العالم يعمل على تغيير هيكل سلسلة الإمداد العالمية. فخلال العقدين الأخيرين، تحولت الصين إلى مركز التصنيع في العالم. وفي نفس الوقت، قللت الصين من اعتمادها على الدول الأخرى في إضافة مدخلات إلى سلسلة إمدادها. ونتيجة لذلك، هبطت حصة المدخلات المستوردة في الصادرات الصينية من 50% في عام 2000 إلى 35% في الوقت الحاضر. وقد كان لذلك أثر سلبي على نمو التجارة العالمية. فمنذ ثمانينات القرن العشرين، اعتمدت الولايات المتحدة على مزاولة الانتاج خارج أرضها، وبصفة أساسية في الصين، بهدف خفض تكاليف إنتاجها. ونتيجة لذلك، تضاعفت المستوردات الصناعية للولايات المتحدة من متوسط 4% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ثمانينات القرن العشرين إلى 8% خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومنذ ذلك الحين، قامت الولايات المتحدة بإبطاء نسبة إنتاجها في الخارج- فأصبحت الواردات الصناعية لديها مستقرة عموماً عند حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان لذلك أيضاً تأثير سلبي على نمو التجارة العالمية. وقد أبرزت دراسة صدرت مؤخراً من صندوق النقد الدولي باسم "النمو البطيء" هذه التغييرات الهيكلية بحسبانها العامل الرئيسي في خفض نمو التجارة العالمية.

ثانياً، إن القوانين والسياسات الحمائية المتزايدة قد تكون سبباً في إعاقة نمو التجارة العالمية. في أواخر عام 2008، عقب الأزمة المالية العالمية، تعهد قادة دول مجموعة العشرين بتجميد سياسات الحمائية التجارية لتجنب تكرار دوامة الحمائية التجارية التي حدثت في ثلاثينات القرن العشرين. ومع ذلك، فقد تم منذ ذلك الوقت إدخال تدابير عديدة تناقض هذا التعهد. وفي عام 2012، أصدر الاتحاد الأوروبي تقريراً يوضح حدوث "زيادة مذهلة في الحمائية في جميع أنحاء العالم". ووفقاً لموقع مراقبة التجارة العالمية (Global Trade Alert)، فإن أكثر من 70٪ من تشريعات التجارة الجديدة ذات طابع حمائي، وقد تم إدخال حوالي 3,870 من مثل هذه التدابير منذ عام 2008.

وأخيراً ولكن ليس آخراً، فإن الحواجز الجمركية واصلت هبوطها على مدى العقود الأخيرة، ولكن بمعدل متباطئ. فمنذ ثمانينات القرن العشرين، كان الانخفاض في الحواجز الجمركية أكثر بروزاً في البلدان المتقدمة- كان متوسط الحواجز الجمركية حوالي 30٪ من التجارة في عام 1980، و15٪ في عام 2000، ويبلغ حالياً أقل من 10٪، ولكنه ينخفض الآن بوتيرة أقل في كل عام. وعلى ذلك فإن الدفع الذي يحدث للتجارة العالمية من خفض الرسوم الجمركية يتناقص تدريجياً مع مرور الوقت.

مستقبلاً، من غير المرجح أن تتعافى التجارة العالمية إلى مستوياتها لما قبل الأزمة على المدى القصير لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، ليس من المرجح أن ينتعش الطلب. فأوروبا، التي تمثل ما يقرب من ثلث التجارة العالمية، يتوقع أن تشهد ركوداً اقتصادياً في عام 2015. وفي الصين (تمثل11٪ من التجارة العالمية)، يتباطأ النمو، ولا يتوقع لأي انتعاش في النمو في الولايات المتحدة (10٪ من التجارة العالمية) أن يعوّض عن ذلك بصورة كافية.

ثانياً، من المرجح أن تستمر الاتجاهات الدافعة للتباطؤ الهيكلي في التجارة بين الصين والولايات المتحدة. كما يرجح أن تستمر الصين في تخفيض اعتمادها على المدخلات الخارجية في سلسلة إمدادها من أجل الحصول على حصة أكبر من القيمة المضافة. وفي الوقت نفسه، من غير المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بتسريع الوتيرة التي تعمل بها في تصنيع منتجاتها المحلية في الخارج، لا سيما على ضوء انخفاض تكاليف الطاقة في الولايات المتحدة واستقرار الأجور المحلية فيها.

ثالثاً، إن عدم تحقيق نجاح في المفاوضات التجارية متعددة الأطراف يعني ضآلة التقدم المتوقع في الحد من الحمائية التجارية. ورغم أن جولة الدوحة للمفاوضات التجارية قد بدأت في عام 2001، إلا أنه لم يتحقق سوى القليل من الأهداف الطموحة التي وضعتها تلك الجولة لخفض الحواجز التجارية العالمية. كما أن الاتفاقية الأخيرة بشأن تنفيذ مقررات الدوحة- والتي تم التوقيع عليها في بالي بنهاية عام 2013- واجهت انتكاسة بخروج الهند عليها في يوليو 2014. وكان من المتوقع لاتفاق تم مؤخراً بين كل من الولايات المتحدة والهند أن يساعد على إنقاذ الموقف إلا أن المفاوضات بشأنه لا تزال محفوفة بالمصاعب.

وعلى ذلك، فإننا نتوقع أن تنمو التجارة العالمية تقريباً بنفس معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال 2015-2016 (يتوقع صندوق النقد الدولي أن يجيء نموها بمتوسط 3,9%)، وهو ما يقل بكثير عن مستويات ما قبل الأزمة. والسؤال الثاني هو، هل يهمّ ذلك؟ يشير التاريخ إلى أنه إذا لم تنتعش التجارة العالمية بشكل كبير، فإنه من المرجح أن يبقى الاقتصاد العالمي مكبوحاً.