فرنسا  | English

   مكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English 

ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي مقابل مجموعة من العملات الرئيسية الأخرى بنحو 17٪ خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وكان الدافع الرئيسي لهذا الارتفاع هو التوقعات بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل في وقت لاحق من هذا العام، في الوقت الذي لا تزال فيه معظم البنوك المركزية الأخرى في جميع أنحاء العالم تخفف سياساتها النقدية. مستقبلاً، يمكن لهذا التباين في المواقف العالمية تجاه السياسة النقدية أن يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في قيمة الدولار الأمريكي، مما قد يؤثر سلباً على المراكز الكبيرة للمتاجرة بالدولار الأمريكي الغير محمية في العديد من الأسواق الناشئة ويسبب نقصاً حاداً في السيولة النقدية بالدولار الأمريكي في جميع أنحاء العالم. وسيقود ذلك بدوره إلى مزيد من التباطؤ في النمو في الأسواق الناشئة (انظر تحليلنا الاقتصادي بتاريخ 21 ديسمبر 2014)، ويزيد من ضعف انتعاش الاقتصاد العالمي.

 

مؤشر الدولار الأمريكي مقابل العملات الرئيسية

(1973 = 100)

 

 

USD Index vs. Basket of Major Currencies

 

 المصادر: بلومبيرغ وتحليلات مجموعة QNB

 

لا يزال الدولار الأمريكي هو العملة الرئيسية لإجراء المعاملات المالية والتجارية في جميع أنحاء العالم. وعندما ترتفع قيمة الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى تكون هناك حاجة إلى موارد إضافية في الدول غير المقومة بالدولار الأمريكي لدفع قيمة نفس الخدمات المالية والتجارية المقدمة بالدولار الأمريكي.

وقد أصبح هذا الدور الأساسي للدولار الأمريكي جلياً خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2009، عندما هرع العالم بأسره للبحث عن ملاذ آمن في سوق سندات الخزانة الأمريكية، لكن لم تكن هناك سيولة كافية متاحة بالدولار الأمريكي. وأصبح سعر السيولة النقدية بالدولار الأمريكي باهظاً، مما جعل تسوية العديد من المعاملات المالية والتجارية بالدولار الأمريكي أمراً بالغ الصعوبة. واضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للتدخل في نهاية المطاف عبر فتح خطوط مبادلة ثنائية مع البنوك المركزية الرئيسية الأخرى في جميع أنحاء العالم من أجل توفير السيولة اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على الدولار الأمريكي.

قد تكون هناك أزمة مماثلة تتشكل في الوقت الراهن. فوفقاً لبنك التسويات الدولية، بلغت قيمة الائتمان بالدولار الأمريكي للمقترضين غير المصرفيين خارج الولايات المتحدة 9,2 ترليون دولار أمريكي في نهاية سبتمبر 2014. ويمثل ذلك زيادة في التعامل بالدولار الأمريكي خارج الولايات المتحدة بنسبة تزيد على 50٪ منذ نهاية عام 2009، ويأتي القدر الأكبر من تلك الزيادة من آسيا. وكان الدافع وراء معظم هذا النمو في الائتمان خارج الولايات المتحدة هو أسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً والمرتبطة بجولات بنك الاحتياطي الفيدرالي المتعاقبة من التيسير الكمي. واستفادت الشركات على وجه الخصوص من انخفاض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة لتمويل عملياتها بالدولار الأمريكي، حيث تشير الأدلة المتواترة إلى أن الشركات الصينية تحتفظ بحوالي 1,4 ترليون دولار أمريكي من الائتمان القائم، وهو في الغالب غير محمي من تقلبات أسعار الصرف. كما توجد كميات صغيرة غير محمية تحتفظ بها البلدان الآسيوية والأسواق الناشئة في أمريكا اللاتينية. في الهند - على سبيل المثال - أعلن بنك الاحتياطي الهندي في أكتوبر 2014 أن 15٪ فقط من كافة ديون الشركات (معظمها بالدولار الأمريكي) محمي في أغسطس 2014، مقارنة بنسبة 34٪ في مارس 2014.

وبانتهاء برنامج التيسير الكمي في أكتوبر 2014 وتعزز الاقتصاد الأمريكي في النصف الثاني من عام 2014، بدأت قيمة الدولار ترتفع. ونتيجة لذلك، ستحتاج العديد من الشركات غير المحمية التي اقترضت بالدولار الأمريكي خلال فترة التسهيل الكمي لقدر أكبر من الموارد المحلية لدفع ديونها المقومة بالدولار الأمريكي. ومن المرجح أن يكون لذلك تأثير سلبي على خطط وعمليات الاستثمار الخاصة بتلك الشركات، الأمر الذي سيزيد من تباطؤ النمو الاقتصادي في الاقتصادات الناشئة.

وفي غضون ذلك، فإن ارتفاع قيمة الدولار، والزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة، وأسعار الفائدة السلبية في أوروبا، جميعها تدفع مديري الأصول العالمية إلى تحويل حصص أكبر من استثمارات محافظهم إلى أصول مقومة بالدولار الأمريكي. وهذا بدوره يزيد الطلب على الدولار الأمريكي خارج الولايات المتحدة، بينما لا يزال حجم السيولة المتوفرة بالدولار الأمريكي في الولايات المتحدة محدوداً نظراً لانتهاء برنامج التيسير الكمي. وبالتالي، فإن هناك بوادر في أسواق المبادلة تشير إلى أن تكلفة السيولة النقدية بالدولار الأمريكي آخذة في الارتفاع ويصعب تأمينها على نحو متزايد. وقد صلت أسعار عقود المقايضة بالرنمينبي الصيني في الخارج لمدة 12 شهراً أعلى مستوى لها على الاطلاق في الأسابيع الأخيرة. وارتفع مؤخراً ‒ لكن بدرجة أقل ‒ هامش المبادلة لمدة خمس سنوات (وهو في الأساس تكلفة التحوط ضد تقلبات سعر الدولار لمدة خمس سنوات) مقابل الجنيه الاسترليني واليورو والفرنك السويسري، على الرغم من أنها لا تزال أقل بكثير من أعلى المستويات التي بلغتها خلال أزمة اليورو بين عامي 2011 و2012.

ومن المرجح أن تستمر هذه الاتجاهات في المستقبل إذا ما استمرت قيمة الدولار في الارتفاع. أولاً، سترتفع بشكل متزايد تكلفة تصفية مراكز الدولار الأمريكي غير المحمية على الشركات في آسيا وفي الأسواق الناشئة، مما سيؤدي الى مزيد من التباطؤ في النمو الاقتصادي في تلك البلدان. ثانياً، فإن الزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة ستزيد من الحوافز القوية مسبقاً للاحتفاظ بالأصول المقومة الدولار الأمريكي، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة عالمية متمثلة في نقص السيولة بالدولار الأمريكي. وسيكون لكلتا الظاهرتين تأثير سلبي على تعافي الاقتصاد العالمي المتعثر سلفاً ويمكن أن يؤديا إلى مزيد من التقلبات الكبيرة في الأسواق المالية في الأشهر المقبلة.