فرنسا  | English

مكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English 

يبدو أن أخبار توصل اليونان إلى اتفاق مع دائنيها الأوروبيين في 20 فبراير على تمديد برنامج الإنقاذ لمدة أربعة أشهر قد أنعشت الأسواق. فقد تراجعت العائدات على السندات الحكومية اليونانية ذات العشر سنوات بأكثر من نقطة مئوية خلال يومي التداول التاليين. وفي الوقت نفسه، قفزت الأسهم اليونانية بنسبة 10٪ تقريبا في اليوم التالي لتقديم أثينا لقائمتها بخطط الإصلاح إلى المفوضية الأوروبية. ولم يتم استكمال تفاصيل الصفقة بعد، كما أن من المتوقع إجراء مزيد من المفاوضات خلال الأشهر المقبلة. ولكننا لا نتوقع سوى القليل من التأثير على المشهد الاقتصادي العالمي من هذه التطورات الجارية في اليونان.

كان الفصل الأول من القصة في بداية الأزمة اليونانية في عام 2009. ففي ذلك الوقت، بلغ عجز الميزانية اليونانية 15,6% من الناتج المحلي الإجمالي. وبينما كان العجز الأساسي (مع استبعاد مدفوعات الفائدة) بنسبة 10,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بلغ الدين العام الآخذ في الارتفاع نسبة 130% من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت الأسواق قد تفاقمت مخاوفها بشأن أوضاع ومستقبل المالية العامة في اليونان، بينما واجهت الحكومة اليونانية صعوبات جمّة في الحصول على قروض إضافية لتلبية احتياجاتها التمويلية. وأخذ الوضع الاقتصادي في التدهور إلى أن تحقق حصول البلاد على حزمة إنقاذ ضخمة من البنك المركزي الأوروبي، والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي.
تضمنت صفقة الإنقاذ توفير الأموال لليونان للوفاء بالتزامات ديونها. وفي المقابل، كان
المطلوب من اليونان استعادة ماليتها العامة إلى مسار مالي أكثر استدامة. وبوجه الخصوص، كان على اليونان تحقيق وفورات كافية لخفض ديونها. وكان الشرط الرئيسي هو تحويل العجز المالي الأساسي الكبير لليونان إلى فائض عن طريق خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات.
ولكن ثبت أن ضبط أوضاع المالية العامة في اليونان كان مؤلماً للغاية. فقد بلغ الانخفاض التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليوناني بين عامي 2009 و 2013 نسبة 21,0% حينما حوّلت اليونان العجز الأساسي من 10,5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى فائض صغير بنسبة 0,8%. وارتفعت البطالة إلى 27,3% في عام 2013، وكانت أعلى بكثير في أوساط الشباب. لم يكن من المتوقع أن ينتهي هذا المخاض المؤلم سريعاً حيث كان مطلوباً من اليونان مواصلة ضبط نظامها المالي للمستقبل المنظور.
لا غرابة أنه بعد خمس سنوات من الكساد، قرر الجمهور اليوناني أن يصوت لصالح حزب يساري وعد بالتراجع عن بعض تدابير التقشف. ارتفعت عائدات السندات اليونانية عقب فوز حزب سيريزا بأغلبية مطلقة تقريبا في البرلمان اليوناني في انتخابات 25 يناير، وعادت المخاوف مجدداً بشأن احتمال انسحاب اليونان من منطقة اليورو.
 
الميزان المالي الأساسي لليونان
(٪ من الناتج المحلي الإجمالي)
الميزان المالي الأساسي لليونان
 
المصادر: صندوق النقد الدولي وتحليل مجموعة QNB
 
ثم بدأت المفاوضات مجدداً بين اليونان ودائنيها الأوروبيين بشأن كيفية الحد من الآلام المترتبة على ضبط المالية العامة مع الإقرار في نفس الوقت بالحاجة إلى تحقيق الاستدامة المالية. وبلغت الأمور ذروتها عندما طالبت اليونان بتغيير نسبة الفوائض الأساسية المطلوبة من 3,0% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015 و 4,5% من عام 2016 وما بعده إلى نسبة 1,5% ابتداءً من عام 2015. وظلت الشكوك تدور حول إمكانية الافراج عن مبلغ الـ 172 مليار يورو من برنامج الإنقاذ الذي كانت تحتاجه الحكومة اليونانية للوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل.
حدث اختراق في 20 فبراير عندما طلبت اليونان تمديد برنامج الإنقاذ الحالي لمدة أربعة أشهر أخرى. وأعقب ذلك تقديم الحكومة اليونانية لقائمة من الإصلاحات في 23 فبراير، والتي أفادت التقارير بأنها حظيت باستقبال جيد من قبل المفوضية الأوروبية. ورغم أنه لم يتم بعد اتمام شروط الاتفاقية، لكن بدا الدائنون مستعدين لقبول مبدأ "أخذ الظروف الاقتصادية بعين الاعتبار" عند قيامهم بتحديد هدف العجز الأساسي الجديد لليونان. وفي المقابل، التزمت السلطات اليونانية بالامتناع عن القيام من جانب واحد بإلغاء بعض التدابير التي اتخذتها الإدارة السابقة.
يبدو أن الصفقة قد هدأت من المخاوف بشأن احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو. ومن المرجح أيضاً أن تؤدي الصفقة إلى وقف تدفق الودائع من اليونان إلى بقية منطقة اليورو، والذي كان نشأ بفعل المخاوف من خروج اليونان من منطقة اليورو وتقويم ودائعها بسعر صرف جديد أقل قيمة. ويبدو خروج اليونان من نظام اليورو الآن أمراً بعيداً، ولكن حتى اذا حدث ذلك، فإنه سيشكل مخاطر أقل على الاقتصاد العالمي مما لو كان قد حدث في عام 2012. والمخاطر المباشرة على بلدان منطقة اليورو لليونان من خلال البنك المركزي الأوربي صغيرة نسبياً عند 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. أما المخاطر على البنوك الأوروبية، فهي أصغر وقد انخفضت إلى حوالي 40٪ من مستوى عام 2012. وفيما تستمر تطورات اليونان، فإن من المتوقع لقضايا أخرى أن تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي خلال الأشهر المقبلة، وأبرزها قضية التشديد المتوقع للسياسة النقدية في الولايات المتحدة.