فرنسا  | English

 يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

عمدت لجنة السوق المفتوحة لبنك الاحتياطي الفيدرالي يوم الخميس الماضي لإزالة كلمة "الصبر" من بيان سياستها. وقد فسرت الأسواق المالية هذه الخطوة بأنها تعني أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يرفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من عام 2015، على الرغم من حقيقة أن الاقتصاد الأمريكي ينحدر الى مزيد من الانكماش وأن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد تباطأ على الأرجح بشكل كبير خلال الربع الأول من عام 2015. كما أن من المتوقع أيضاً أن يؤدي رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في عام 2015 إلى تفاقم أزمة شحّ الدولار الأمريكي القائمة حالياً في بقية العالم (انظر تحليلنا الاقتصادي بتاريخ 22 فبراير 2015). وعلى ذلك فإنه يبدو من غير المناسب أن يقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة الأمريكية في عام 2015، ولكن اذا حدث ذلك، فإنه سوف يؤثر سلباً بشكل كبير على آفاق النمو المستقبلي في الولايات المتحدة والعالم قاطبة.

كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يلمّح تدريجياً برفع أسعار الفائدة في عام 2015 منذ نهاية برنامجه المعروف باسم التيسير الكمي في أكتوبر 2014. وقام البنك الفيدرالي بتغيير لغة بيان سياسته في ديسمبر الماضي من عبارة "بعد وقت طويل" التي استخدمها سابقاً، إلى "التذرع بالصبر" حيال رفع أسعار الفائدة. وقد فسرت الأسواق المالية هذه العبارة على أنها تعني بأن من المرجح أن يتقرر رفع أسعار الفائدة في وقت ما من عام 2015. وقد تعززت هذه التوقعات أكثر من التقديرات التي وضعها محافظو بنك الاحتياطي الفيدرالي لمعدلات الفائدة قصيرة الأجل لعام 2015، وما فيها من إشارة إلى ارتفاع هذه الأسعار في وقت ما خلال العام. وقد قال بنك الاحتياطي الفيدرالي في بيانه الأخير بأنه سوف يرفع أسعار الفائدة "عندما يرى حدوث مزيد من التحسن في سوق العمل وعندما يتأكد بدرجة مناسبة بأن معدل التضخم سيعود إلى النسبة المستهدفة 2% في المدى المتوسط . وفقا لذلك، تقوم الأسواق المالية حالياً بتسعير العقود الآجلة باحتمالية 72% لارتفاع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل بحلول ديسمبر عام 2015.

إن الأسباب التي تدعو بنك الاحتياطي الفيدرالي لتطبيع السياسة النقدية للولايات المتحدة واضحة. فبعد أكثر من ست سنوات من بقاء أسعار الفائدة عند مستوى الصفر، وثلاث جولات متتالية من برامج التيسير الكمي، التي ضاعفت الميزانية العمومية للبنك الفيدرالي لأكثر من أربعة أضعاف إلى 4,5 تريليون دولار، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي متحفّز لخفض وضع السياسة النقدية التيسيرية. وفي الواقع، فإن هناك أدلة على أن السياسة النقدية غير التقليدية التي اتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي كانت لها آثار متباينة على اقتصاد الولايات المتحدة، بما في ذلك الزيادة الكبيرة التي طرأت في أسعار الأصول وسوء تسعير المخاطر في الأسواق المالية. ومن شأن زيادة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة أن تضع حداً لهذه السياسة النقدية المساعفة وكذلك إزالة الآثار الجانبية السلبية التي تسببت بها في الأسواق المالية.

مؤشر بلومبيرغ للمفاجآت الاقتصادية للولايات المتحدة

 

مؤشر بلومبيرغ للمفاجآت الاقتصادية للولايات المتحدة

 

المصدر: بلومبيرغ

ولكن، هل عام 2015 هو الوقت المناسب لرفع أسعار الفائدة؟ إن الدليل الأخير على صحة الاقتصاد الأمريكي يوحي بأن يكون الجواب بالنفي. فالاقتصاد الأمريكي ليس في حالة انكماش فقط، بل إن هناك مزيد من الضغوط الانكماشية التي تتصاعد باستمرار، مع ما طرأ مؤخرا من الارتفاع في قيمة الدولار الأمريكي واستمرار ضعف أسعار السلع الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، تشير آخر البيانات إلى أداء ضعيف جداً في النمو خلال الربع الأول من عام 2015. إن مؤشر بلومبيرغ للمفاجآت الاقتصادية للولايات المتحدة- وهو مؤشر يقيس الانحراف عن التوقعات الإجماعية حول البيانات الأمريكية- لم يكن سلبياً ابداً إلى هذا الحد منذ الكساد العظيم لعام 2009. وفي الواقع، فإنه وفقاً لتقارير بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، من المرجح أن يتباطأ النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول إلى 0,6%، مقارنة مع 2,2% في الربع الأول لعام 2014. ولا يبدو أن هذه هي الظروف الاقتصادية التي تناسب رفع أسعار الفائدة.

كما أن زيادة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ستكون لها أيضا آثار سلبية على بقية الاقتصاد العالمي. فتحسباً لرفع أسعار الفائدة الأمريكية، طرأ ارتفاع حاد في قيمة الدولار الأمريكي خلال الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى حدوث شحّ شديد في الدولار الأمريكي خارج الولايات المتحدة. ففي وقت تقوم فيه جميع البنوك المركزية الأخرى على نطاق العالم بتخفيف سياساتها النقدية، فإن رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة سوف يؤدي إلى مزيد من تفاقم تحوّل المستثمرين إلى الأصول المقومة بالدولار الأمريكي، ويترك باقي اقتصادات العالم تعاني من شحّ الدولار. وكما يوضح تاريخ الأزمات المالية الأخيرة، فإن الضغوط الناشئة عن شح الدولار غالباً ما تكون مقدمة لأزمات كبرى في ميزان المدفوعات لدول الأسواق الناشئة.

وعليه، فإن الخطوة الأخيرة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي هو نذير شؤم لكل من الولايات المتحدة وبقية اقتصادات العالم. فإذا قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة في عام 2015، فيمكن لذلك أن يؤدي إلى مزيد من التباطؤ في الاقتصاد الأمريكي وإلى حدوث مزيد من ضغوط شح الدولار لبقية العالم. ونأمل أن يعيد بنك الاحتياطي الفيدرالي النظر في الأمر قبل أن يقع المحذور.