فرنسا  | English

مكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English  

في 29 فبراير المنصرم، قدم وزير المالية الهندي آرون جايتلي موازنة الحكومة المركزية للسنة المالية 2016/2017. وقد أظهرت الموازنة المعلن عنها نية الحكومة في مواصلة مسار ضبط الأوضاع المالية. وتستهدف الحكومة تقليص العجز المالي من نسبة 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2015/2016 إلى 3.5% في 2016/2017. وتأتي هذه الإصلاحات بعد مرور 25 عاماً على الاصلاحات الاقتصادية الواسعة لعام 1991 التي أحدثت ثورة في الاقتصاد الهندي وترتبت عنها مكاسب كبيرة خلال العقدين اللاحقين. وعلى الرغم من أنه يجري تنفيذ إصلاحات إدارة مودي بوتيرة أكثر تدرجاً مقارنة مع إصلاحات عام 1991، إلا أنها بنفس الحجم والطموح. وفي حال تم تنفيذها بنجاح، فمن شأنها إنعاش الاقتصاد الهندي للعقدين القادمين.

وكانت الهند قد نفذت مجموعة إصلاحات واسعة النطاق في عام 1991 وذلك استجابة لأزمة حادة في ميزان المدفوعات. أزمة تراجعت معها الاحتياطيات الدولية للهند إلى مستوى يكاد لا يكفي لتمويل واردات النفط لمدة اسبوعين. وكرد فعل على ذلك، قامت الحكومة بتخفيض قيمة العملة، وخففت الضوابط، وألغت الإجراءات البيروقراطية في منح التراخيص، وفتحت الاقتصاد على للاستثمارات الأجنبية وخفضت الرسوم التجارية، فكانت النتائج مذهلة. ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للهند من متوسط 4.1% في العقود الأربعة التي سبقت عام 1991 إلى متوسط 6.8% خلال العقدين اللاحقين. وقد جعل ذلك من الهند إحدى محركات النمو في الاقتصاد العالمي. كما تضاعف نصيب الفرد من الدخل خمس مرات حيث يبلغ حالياً 6.2 ألف دولار أمريكي على أساس تكافؤ القوة الشرائية بعد أن كان يبلغ 1.2 ألف دولار أمريكي في عام 1991. وتم تقليص نسبة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر (أي 1.9 دولار أمريكي في اليوم على أساس تكافؤ القدرة الشرائية) بواقع النصف وذلك من 46.1% في عام 1993 إلى 21.3% في عام 2011.

لكن وبعد عقدين من إصلاحات عام 1991، أصبح الاقتصاد الهندي مقيداً بسبب اختناقات الإمداد المتمثلة في ضعف البنية التحتية للنقل ونقص الطاقة. كما تراجع مركز الهند في مؤشر البنك الدولي لسهولة مزاولة الأعمال من المرتبة 120 من بين 189 دولة في عام 2007 إلى المرتبة 140 في عام 2013، متأخرة بذلك وراء سريلانكا ونيبال وبوتان وباكستان. وزاد تفاقم مشكلة التضخم المستمرة، نتيجة لاختناقات الإمداد، بسبب السياسات الحكومية التي تهدف إلى زيادة الأجور في القطاع الزراعي، وأيضاً بسبب تخفيف السياسة النقدية. وفقدت الهند تنافسيتها كما تراجع الحساب الجاري من فائض بنسبة 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2003 إلى عجز بنسبة 4.8% في عام 2012. وظهر هذا الضعف مع الإعلان عن تقليص برنامج التيسير الكمي في الولايات المتحدة في عام 2013، مما أدى إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. وكانت الهند ضمن ما يطلق عليه الأسواق الخمس الهشة من بين الدول الأكثر تضرراً من هروب رؤوس الأموال. وبالتالي، كانت بأمس الحاجة إلى موجة جديدة من الإصلاحات لمعالجة هذه الهشاشة والانطلاق في النمو.

مؤشر سهولة مزاولة الأعمال

(1: الأكثر ملاءمة لمزاولة الأعمال، 189: الأقل ملاءمة لمزاولة الأعمال)

  Ease of Doing Business Ranking

المصادر: البنك الدولي وهيفر أناليتيكس وقسم الاقتصاد في QNB

وقد ساعد انتخاب ناريندرا مودي كرئيس للوزراء في مايو 2014 إلى جانب تعين راغورام راجان كمحافظ للبنك المركزي في سبتمبر 2013 في بدء موجة جديدة من الإصلاحات في الهند. فقد خفضت حكومة مودي دعم الطاقة، وزادت الإنفاق الرأسمالي لتحسين البنية التحتية المتهالكة في الهند، وخففت القيود على الاستثمار الأجنبي المباشر، وعززت برنامج الشمول المالي، واتخذت تدابير لفرض ضريبة موحدة على السلع والخدمات. واعتمد راجان إطاراً متماسكاً وواضحاً للسياسة النقدية يقوم على استهداف التضخم، كما اتخذ خطوات لزيادة المنافسة في النظام المصرفي. ولم تعمل حملة الاصلاحات التي يجري تنفيذها حالياً على خلق استقرار في الاقتصاد الهندي فحسب، بل جعلت منه أحد الاقتصادات المشرقة القليلة بين اقتصادات الأسواق الناشئة، بمعدل نمو سنوي بلغ 7.3% في الربع الأخير من عام 2015. لكن ينبغي فعل المزيد لزيادة مرونة سوق العمل، ومعالجة قوانين الاستحواذ على الأراضي التي تعيق الاستثمارات، ومعالجة الأصول السيئة وتدني الرسملة في النظام المصرفي.

في الختام، يمكن القول بأن أجندة مودي الإصلاحية تعتبر أكثر تدرجاً مقارنة بإصلاحات عام 1991، لكن في حال تم تنفيذها بنجاح، فإنها يمكن أن تجعل من الهند واحدة من أسرع البلدان نمواً في العالم، بمعدل محتمل لنمو الناتج المحلي الإجمالي يبلغ حولي 8-10%.