فرنسا  | English

 

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو   English

 اهتزت الأسواق المالية بعد تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو، وزاد الشعور بالمخاطر وعدم اليقين حول العالم خلال الأسبوع الذي أعقب التصويت. وبناء على ردود فعل الأسواق المالية في الفترة بين الاستفتاء و 1 يوليو، يُتوقع أن يؤثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي سلباً على النمو في المملكة المتحدة وسيكون له تأثير سلبي محدود على النمو في منطقة اليورو ولن يؤثر على الاقتصادات المتقدمة الأخرى، بينما سيؤثر على الأسواق الناشئة بدرجات متفاوتة.

أولاً، إذا نظرنا إلى المملكة المتحدة، نجد أن هناك مخاوف من العجز المالي الكبير في الحساب الجاري وتباطؤ الاستثمار وتدهور التجارة، وستؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع النمو في المملكة المتحدة. وانعكست هذه المخاوف على الأسواق المالية، فقد تراجعت قيمة الجنيه الاسترليني بنسبة 10.8% منذ 1 يوليو على خلفية تزايد عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية للمملكة المتحدة. أما في أسواق الأسهم، وعلى الرغم من تعافي مؤشر FTSE 100 من خسائره الأولية، إلا أن ذلك لا يعكس الصورة الكاملة، فمؤشر FTSE 100 تهيمن عليه شركات كبيرة متعددة الجنسيات وتولد هذه الشركات إيرادات كبيرة من خارج المملكة المتحدة، ولذلك فهي محصنة نسبياً من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. وتعززت بالفعل إيرادات هذه الشركات الدولية الكبيرة بالجنيه الاسترليني، فقد تدنت قيمته، الأمر الذي دعم تقييمات تلك الشركات في سوق الأوراق المالية البريطاني. أما مؤشر FTSE 250 الذي يضم حصة أكبر من الشركات الصغيرة التي تركز على المملكة المتحدة، فقد شهد تراجعاً كبيراً في الأداء بحوالي 9 نقاط مئوية مقارنة بمؤشر FTSE 100 منذ تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد. ويشير ذلك إلى أن الأسواق المالية غير متفائلة بشأن آفاق الاقتصاد البريطاني عقب تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي. وأخيراً، تراجعت عائدات سندات المملكة المتحدة لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق (0.86%)، وتلك هي إشارة إلى أن الأسواق تتوقع معدلات نمو منخفضة في المملكة المتحدة.

ثانياً، يوجد قدر أكبر من التكتم بشأن التأثير الذي سينعكس على أوروبا. فقد انخفض اليورو منذ إعلان نتيجة الاستفتاء وتراجعت سوق الأسهم بالدولار الأمريكي بحوالي 5%. وقد أثار التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي شكوكاً حول اقتصاد أوروبا والتوقعات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي بشكل عام. ومن المرجح أن يؤثر تباطؤ اقتصاد المملكة المتحدة سلباً على أوروبا مع تراجع الطلب على الواردات في المملكة المتحدة. لكن الأسواق تتوقع استجابة نقدية في أوروبا فقد انخفضت العائدات بشكل حاد عبر القارة.

أسعار صرف بعض العملات بعد تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي

(% تغيير معدل بالعملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي)

أسعار صرف بعض العملات بعد تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي

المصادر: بلومبيرغ وقسم الاقتصاد في QNB 

ثالثاً، لم تتأثر اقتصادات متقدمة رئيسية أخرى بالتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي حيث ارتفعت أسعار الصرف بالنسبة للين الياباني والدولار الأمريكي. وكانت هذه الاقتصادات هي الوجهات الرئيسية التي قصدتها التدفقات الباحثة عن ملاذات آمنة في ظل زيادة حالة عدم اليقين بعد التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. كما أدت نتيجة الاستفتاء إلى تغيير كبير في توقعات السوق بشأن السياسة النقدية الأمريكية. وعشية التصويت، كانت الأسواق تتوقع بنسبة 50% رفع سعر الفائدة لمرة واحدة على الأقل من طرف بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بحلول نهاية هذا العام. لكن بعد التصويت، أصبحت الأسواق ترجح احتمال خفض سعر الفائدة من طرف بنك الاحتياطي الفيدرالي أكثر من رفعه وتراجع احتمال رفع سعر الفائدة لمرة واحدة على الأقل هذه السنة إلى نسبة 12% فقط. ويشير هذا الأمر إلى أن التحولات المحتملة التي تسبب فيها التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي قد تشكل مخاطر سلبية كبيرة للاقتصاد العالمي. ونتيجة لذلك، تراجعت السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات بواقع 30 نقطة أساس في 1 يوليو، وهو أدنى مستوى لها منذ أزمة الديون الأوربية سنة 2012. ومن المحتمل أن يكون التحول في التوقعات بشأن السياسة النقدية في الولايات المتحدة قد أبقى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي تحت السيطرة، ما من شأنه أن يدعم الاقتصاد العالمي.

أخيراً، تشير التغيرات في الأسواق المالية العالمية والتي أعقبت التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي إلى تأثيرات متباينة على الأسواق الناشئة. وأثرت حالة عدم اليقين وارتفاع الشعور بالمخاطر سلباً على بعض الأسواق الناشئة. لكن تيسير السياسة النقدية العالمية قد يكون كافياً لمواجهة هذه التأثيرات السلبية. ومن بين عملات الأسواق الناشئة الرئيسية الأكثر تأثراً خلال الأسبوع الذي تلى التصويت الليرة التركية والرنمينبي الصيني والراند الجنوب إفريقي. وارتفعت قيمة الريال البرازيلي بنسبة 3.1% في 1 يوليو، لكن ذلك يرجع بالأساس إلى تحسن الآفاق المحلية. وفي نفس الوقت، ارتفع مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنسبة 0.5% ما بين 23 يونيو و1 يوليو. كما ارتفع مؤشر جيه بي مورغان لسندات الأسواق الناشئة بنسبة 1.9%.

ختاماً، فإن ردة الفعل الأولية للأسواق المالية تجاه التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي تشير إلى أن أغلب التأثير السلبي سيظل محدوداً في المملكة المتحدة وقد يمتد قليلاً إلى باقي أوربا وبعض الأسواق الناشئة. كما أن الشعور المتزايد بالمخاطر وحالة عدم اليقين قد تسببا في تحول عالمي باتجاه تخفيف السياسة النقدية، الأمر الذي من شأنه أن يحد من الآثار السلبية للاستفتاء بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.