فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

 انهارت أسعار أسهم البنوك الايطالية بعد قرار المملكة المتحدة بالخروج من الاتحاد الأوروبي. ويتم الآن تداول هذه الأسهم بأقل من 50% من قيمتها في بداية عام 2016. وبينما يمكن عزو هذا الأمر جزئياً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، حيث كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تيسير سياسات النقد العالمية وما لذلك في العادة من إضرار بربحية البنوك، إلا أن المشكلة أعمق من ذلك بعض الشيء. فالميزانيات العمومية للبنوك الايطالية مثقلة بالقروض المتعثرة، وتواجه محاولات الحكومة الإيطالية لحل هذه المشكلة عن طريق رفع رسملة النظام المصرفي عقبات قانونية فرضتها الضوابط الجديدة لمنطقة اليورو. ونتوقع أن تتوصل إيطاليا وبقية منطقة اليورو الى اتفاق ينسجم بصفة عامة مع تلك الضوابط. غير أننا لا نتوقع أن تمتد مشكلة البنوك الايطالية للتأثير على الاقتصاد العالمي.

ما هي أسباب ورطة البنوك الإيطالية؟ المشكلة الرئيسية لهذه البنوك هي ضخامة حجم القروض المتعثرة والتي تقدر بما يقرب من خمس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويعزى تراكم القروض المتعثرة بصفة أساسية إلى ضعف أداء الاقتصاد الكلي. فقد كانت إيطاليا في حالة ركود لمدة ثلاث سنوات بين عامي 2012 و 2014. وكان الانتعاش اللاحق ضعيفاً للغاية، مع نمو الاقتصاد بنسبة 0.8% فقط في عام 2015. ولذلك فإن نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي في ايطاليا لا يزال دون الذروة التي كان عليه في فترة ما قبل الأزمة، على العكس من معظم الاقتصادات المتقدمة. كما أضر ضعف بيئة الاقتصاد الكلي بالعديد من الشركات، وهو ما ترتب عليه ارتفاع سريع في القروض المتعثرة من نسبة 4.4% في عام 2007 إلى 16.0% في عام 2015، وتعدّ من أعلى النسب في أوروبا.

كما أضرت ضخامة حجم القروض المتعثرة بربحية البنوك. فقد سجلت البنوك الايطالية أربعة سنوات متتالية من الخسائر بين عامي 2011 و 2014، وحققت عوائد هزيلة في عام 2015 (بلغ العائد على حقوق المساهمين 3.1% في عام 2015). وأدت القروض المتعثرة بشكل مباشر إلى انخفاض مداخيل البنوك بسبب عجز المقترضين عن سداد ديونهم، وبشكل غير مباشر بسبب اضطرار البنوك لوضع رؤوس أموال كبيرة كمخصصات مقابل الخسائر المحتملة في القروض المتعثرة.

ولم يقتصر تأثير القروض المتعثرة على النظام المصرفي فقط، بل امتد إلى الاقتصاد الوطني ككل. فارتفاع القروض المتعثرة يتطلب بالمقابل رأسمال أكبر يتم فرضه من طرف الجهة المنظمة. مما يؤدي إلى الحد من قدرة البنوك على تقديم قروض جديدة أو الدخول في أي أنشطة إقراضية قد تلحق مزيداً من الضرر بميزانياتها العمومية. وقد ظلت محفظة القروض لدى البنوك الايطالية تتقلص منذ نهاية عام 2011، الأمر الذي أضر بالاستثمار في البلاد وساهم في الركود الذي حدث في السنوات الأخيرة وقد يعيق النمو الاقتصادي مستقبلاً.

 

 

ارتفاع القروض المتعثرة أدى إلى انهيار

 

لحل هذه المشكلة، تريد الحكومة الإيطالية ضخ رؤوس أموال من أجل دعم البنوك وتفادي انهيار النظام المصرفي. غير أن الحكومة عالقة في وضع بين المطرقة والسندان. فمن جهة، تمنع الضوابط الجديدة في منطقة اليورو الحكومات من رسملة البنوك بدون فرض خسائر على حسابات الدائنين لدى البنوك. ومن جهة أخرى، يعتبر "توريط" هؤلاء الدائنين مسألة غير شعبية من الناحية السياسية حيث أن ما يقرب من نصفهم مستثمرون أفراد لا يطيقون تحمل أي خسائر. فعندما تم تنفيذ خطة لإنقاذ بعض البنوك بموجب القواعد الجديدة في نوفمبر 2015، أقدم أحد المستثمرين الأفراد في السندات على الانتحار، متسبباً في حدوث ضجة سياسية.

تحاول إيطاليا التفاوض مع عدد من بلدان منطقة اليورو لتخفيف هذه الضوابط، غير أنها تلاقي بعض الممانعة، خصوصاً من ألمانيا. وهذا أمر يمكن تفهمه، فقد تم الاتفاق على هذه الضوابط حديثاً وتعتبر إيطاليا أول منفذ محتمل لها. علاوة على ذلك، فهناك تفسير منطقي سليم وراء هذه القواعد، فهي قد وضعت من أجل منع تحول الأزمات المصرفية إلى أزمات مالية كما حدث في إيرلاندا وإسبانيا. ففي كلا البلدين، كان من تحمل كلفة إنقاذ النظام المصرفي هم دافعو الضرائب بينما ظل الدائنون في منأى. غير أن إيطاليا تمثل حالة فريدة لكون أغلب الدائنين لدى البنوك هم من فئة العملاء الأفراد، بما في ذلك العديد من المتقاعدين وليس مؤسسات استثمارية كبيرة تدرك المخاطر المحتملة.

فما الذي من المحتمل أن يحدث في المستقبل؟ من المرجح أن تتوصل إيطاليا وباقي دول منطقة اليورو إلى حل وسط يتم بموجبه السماح للحكومة الإيطالية برسملة بنوكها وتحصين مستثمري السندات الأفراد نوعاً ما. بالمقابل، يتم تطبيق الضوابط على المستثمرين من المؤسسات الكبيرة. ويشكل الحكم الذي أصدرته مؤخرا محكمة العدل الأوربية في قضية البنوك السلوفانية بأن تحميل الدائنين شطراً من المديونية ليس شرطاً مسبقاً لتلقى البنوك الدعم من الدولة سابقة إيجابية لإيطاليا. كما يقوم المحللون بمناقشة أي فجوات قانونية أخرى يمكن من خلالها حل هذه الإشكالية.

فماهي انعكاسات هذه القضية على الاقتصاد العالمي؟ من غير المحتمل أن تتحول مشكلة البنوك الإيطالية إلى أزمة مالية عالمية مثل ما حدث في عام 2008. لكن المخاطر الرئيسية تتمثل في إمكانية اشتعال غضب شعبي آخر على الاتحاد الأوربي، وهذه المرة من رابع أكبر اقتصاد في المنطقة. وإذا حدث ذلك، فمن شأنه توجيه ضربة أخرى للمشروع الأوربي، مضيفا صفحة أخرى من عدم اليقين بشأن مستقبل الاتحاد الأوربي إلى جانب قرار المملكة المتحدة بالخروج من الاتحاد. فلا الاتحاد الأوربي ولا الاقتصاد العالمي باستطاعتهما مواجهة كل هذا الاضطراب في هكذا وقت قليل.