فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

 يعجّ العالم في الوقت الحاضر بسياسات التحفيز النقدي. وقد جاء بنك اليابان (البنك المركزي الياباني) الآن كآخر بنك مركزي يتوقع له أن يقوم بتخفيف سياسته النقدية في أعقاب النمو المخيب للآمال في الربع الثاني والذي بلغ نسبة 0.2% فقط. وسينضم بنك اليابان المركزي لرصفائه من البنوك المركزية في منطقة اليورو والمملكة المتحدة التي من المتوقع لها أيضا أن تقوم بتيسير سياساتها في وقت لاحق من هذا العام. وعلى الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الامريكي) قد يرفع أسعار الفائدة لمرة واحدة بنهاية عام 2016، إلا أن هذا أقل بكثير من الزيادات الأربع التي كانت متوقعة في بداية السنة. وتقود هذه السياسات النقدية المتساهلة من قبل البنوك المركزية الكبرى في العالم إلى انخفاض عائدات السندات في الاقتصادات المتقدمة إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وهذا بدوره يخفف الضغوط على الأسواق الناشئة، التي ظلت متعطشة لتدفقات رؤوس أموال كبيرة منذ الأزمة المالية العالمية. ويتعين على الاقتصادات الناشئة أن تستغل هذه الفرصة للعمل على الحد من جوانب الضعف لديها وتخفيف خطر البقاء تحت رحمة تقلبات رؤوس الأموال الأجنبية.

وكما يحدث اليوم، تدفقت رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسواق الناشئة في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008. فعندما ضربت الأزمة اقتصادات الدول المتقدمة، ردت بنوكها المركزية بقوة باللجوء إلى خفض أسعار الفائدة والقيام بجولات متعددة من التيسير الكمّي. وأدى هذا التدخل من قبل البنوك المركزية إلى تقليص العائدات. فعلى سبيل المثال، انخفض العائد على سندات الحكومة الأمريكية لمدة 10 سنوات إلى النصف تقريباً من متوسط نسبته 3.7% في عام 2008 إلى 1.8%في عام 2012. ورداً على ذلك، قام المستثمرون بتحويل أموالهم إلى الأسواق الناشئة بحثاً عن عائدات أعلى. وبلغ متوسط تدفقات المحافظ إلى أسواق الدين والأسهم في الأسواق الناشئة 296 مليار دولار أمريكي في السنة خلال الفترة بين عامي 2009 و 2012، مقارنة بتدفقات مالية سنوية بقيمة 151 مليار دولار أمريكي خلال السنوات الثلاث السابقة لعام 2008.

أصبحت الأسواق الناشئة تعتمد أكثر على رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل الاستهلاك والاستثمار. وارتفعت مستويات الديون الخارجية في ظل سعي المقترضين في الأسواق الناشئة للاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة. ونتج عن التدفقات الرأسمالية ارتفاع في أسعار الأصول في العديد من بلدان الأسواق الناشئة، مما وضع صناع القرار في حيرة من أمرهم. فمن أجل تهدئة أسعار الأصول، كان على صناع القرار رفع أسعار الفائدة. لكن ارتفاع أسعار الفائدة يجلب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية الباحثة عن أرباح مما يؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار الأصول.

  تدفقات الديون والأسهم إلى الأسواق الناشئة

وكان ذلك بمثابة بذور أزمة اشتعلت في مايو 2013 بعد إعلان بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن احتمال تقليص برنامجه للتيسير الكمي، مما نتج عنه انعكاس حاد للوضعية التي كانت سائدة طوال أربع سنوات سابقة. وارتفعت أرباح السندات الأمريكية من 1.6% في مايو 2013 إلى 3.0% مع نهاية العام. وبدأت منذ ذلك الحين فترة هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة باتجاه الاقتصادات المتقدمة، وأصبحت معها الأسواق الناشئة معرضة للمخاطر. وتفاقمت الأزمة في ظل تراجع أسعار السلع (بما أن العديد من الأسواق الناشئة هي مصدرة للسلع) ومع المخاوف بشأن التباطؤ المضطرب في الصين. وأصبحت هذه المشاكل أكثر حدة في النصف الثاني من عام 2015 وخلال أول شهرين من 2016 حيث قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نهاية المطاف رفع أسعار الفائدة ووعد بالاستمرار في رفعها خلال الأشهر التالية. وفي بداية عام 2016، بدت الأسواق الناشئة في وضع أسوأ مما كانت عليه في 2013 بالنظر إلى تدهور ميزان حساباتها الجارية وارتفاع مستويات ديونها الخارجية وتباطؤ معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي فيها.

لكن آفاق المستقبل تغيرت بالكامل في منتصف عام 2016 تقريباً. فقد أدى التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي إلى تباطؤ جوهري في اقتصاد المملكة المتحدة، ورد بنك إنجلترا على ذلك بتخفيض أسعار الفائدة وإعادة إطلاق برنامج التيسير الكمي، ومن المنتظر أن يتم تقديم محفزات إضافية هذا العام. كما يُتوقع أن يقوم البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان بتخفيف السياسة النقدية في وقت لاحق من العام الحالي بسبب تعثر اقتصاديهما. وقد أدى قيام البنك المركزي الأوربي بضخ مقادير ضخمة من السيولة في الاقتصادات المتقدمة إلى تقليص عائدات السندات إلى مستويات تاريخية (1.5% في الولايات المتحدة، و-0.1% في ألمانيا، و0.5% في المملكة المتحدة)، ويقدّر الآن بأن قيمة السندات ذات العائدات السلبية قد ارتفعت إلى 13.4 ترليون دولار أمريكي، وتتركز في الأسواق المتقدمة بصفة أساسية. وهذا الواقع الجديد يجعل من الأسواق الناشئة وجهة جاذبة للمستثمرين مجدداً. وحالياً عاودت رؤوس الأموال الأجنبية التدفق باتجاه الاقتصادات الناشئة، مما يتيح لها فرصة لالتقاط الأنفاس.

ويتعين على الأسواق الناشئة أن تستغل هذه الفرصة للحد من جوانب الضعف وتجنب تكرار أخطاء الماضي القريب. وذلك يتطلب القيام بثلاثة أمور. أولاً، يجب تجنب الإفراط في الاقتراض بالعملات الأجنبية، حيث يُصعب سداد الديون بالعملات الأجنبية في حال حدوث هروب لرؤوس الأموال وانخفاض حاد في قيمة العملة المحلية. ثانياً، ينبغي أن يتم تعزيز الاحتياطيات خلال فترات تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل بغية التخفيف من صدمة الخروج المفاجئ لرؤوس الأموال. وأخيراً، يجدر بالأسواق الناشئة تغيير تركيبة رؤوس الأموال الأجنبية الواردة، حيث ينبغي لها أن تشجع زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر على حساب تدفقات المحافظ المالية، نظراً لأن الأول أكثر ثباتاً وأقل عرضة للتأثر بالتغيرات المفاجئة في المزاج الاستثماري ويولد المزيد من النمو المستدام بدلاً من مجرد خلق زيادة مفرطة في أسعار الأصول. وتشكل هذه التدابير وسيلة هامة لمنع تكرار الأزمات الأخيرة.