فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English
 
 يبدو أن 21 سبتمبر سيكون موعداً هاماً للبنوك المركزية، حيث يُنتظر أن يقوم فيه كل من بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي وبنك اليابان باتخاذ قرارات بشأن سياساتهما النقدية. وقد زاد احتمال قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، إذ باتت الأسواق تتوقع بنسبة 34% احتمال قيامه برفع الفائدة في سبتمبر، بعد أن كانت نسبة هذا الاحتمال قريبة من الصفر في نهاية يونيو. لكن في المقابل، من المحتمل أن يقوم بنك اليابان بتخفيف سياسته النقدية على خلفية تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع معدلات التضخم في اليابان. وقد يكون السؤال حول ما إذا كان هذا التباين في السياسات النقدية سيبدأ في سبتمبر أو لا موضع جدل، لكن الأمر المؤكد بدرجة أكبر هو أن السياسات النقدية لهذين الاقتصادين الرئيسيين ستسير على الأرجح في اتجاهات متباينة مستقبلاً.
 
لقد كانت اليابان عالقة في دوامة انكماش الأسعار لعقدين من الزمان، ولكن منذ أواخر عام 2012، بدأ رئيس الوزراء الجديد شينزو آبي سياسته الاقتصادية الرامية إلى تحسين النمو وإصلاح المالية العامة والتغلب على الانكماش. وكانت النتائج الأولية لتلك السياسة الاقتصادية، التي عُرفت اختصاراً باسم "أبينوميكس"، مبشرة. لكن يبدو أن الاقتصاد الياباني قد بدأ يتعثر في الآونة الأخيرة، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 0.2% في الربع الثاني وكان التضخم الكلي على أساس سنوي سلبياً (-0.4%) في يوليو. ويبدو أن انخفاض التضخم مشكلة مستمرة في اليابان وليس نتيجة لعوامل مؤقتة مثل تراجع الأسعار العالمية للنفط والمواد الغذائية. وباستثناء المواد الغذائية والطاقة، بلغ التضخم 0.3% فقط في شهر يوليو.
وكان الارتفاع الحاد في قيمة الين الياباني أحد الأسباب الرئيسية وراء الأداء الاقتصادي المخيب للآمال مؤخراً، حيث زادت قيمة الين الياباني بحوالي 17% مقابل الدولار الأمريكي في السنة حتى الآن. وتلعب الصادرات دوراً كبيراً في اقتصاد اليابان، ولذلك فإن ارتفاع قيمة الين يقلل القدرة التنافسية للصادرات ويضعف النمو. وبالإضافة إلى ذلك، فأن ارتفاع قيمة الين يجعل الواردات أرخص، الأمر الذي يعزز دوامة الانكماش.
 
 
 
الين والدولار الأمريكي

وقد زادت قيمة الين لسببين رئيسين. الأول هو التدفقات الواردة إلى اليابان بحثاً عن ملاذ آمن، فقد أدت المخاوف المتعلقة بالنمو العالمي وانخفاض قيمة العملة الصينية في يناير وفبراير إلى موجة تدفقات رأسمالية صوب اليابان بحثاً عن ملاذ آمن. وتلقت اليابان موجة أخرى من هذه التدفقات في أعقاب التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في شهر يونيو. وأدت هذه التدفقات الباحثة عن ملاذ آمن إلى زيادة قيمة الين، الأمر الذي يعيق القدرة التنافسية لليابان وصادراتها.

ثانياُ، خيّب بنك اليابان آمال الأسواق بتخفيف السياسة النقدية بأقل من المتوقع. فمنذ إدخال أسعار الفائدة السلبية في شهر يناير، أبقى البنك على سياساته النقدية الأساسية دون تغيير رغم توقعات السوق بمزيد من التيسير. نتيجة لذلك، ارتفعت قيمة الين بعد كل قرار تم اتخاذه بشأن السياسة النقدية في أشهر مارس وأبريل ويونيو ويوليو. ويبدو أنه لم يعد أمام بنك اليابان المركزي مجالاً لتخفيف السياسة النقدية. وبلغت أسعار الفائدة للمدى القصير مسبقاً نسبة 0.1-%، كما أن عائدات السندات الحكومية طويلة الأجل هي قريبة من أو تحت مستوى الصفر (السندات لأجل 10 سنوات بلغت مستوى 0.07-% والسندات لأجل 40 سنة بلغت مستوى 0.44%). وأدى ذلك إلى تقليص المجال أمام بنك اليابان لخفض أسعار الفائدة أكثر من خلال خفض أسعار الفائدة للمدى القصير أو تقليص عائدات السندات طويلة الأجل عن طريق التيسير الكمي.

ورغم ذلك، من المرجح أن يتغلب تأثير السياسة النقدية في الولايات المتحدة مستقبلاً على هذه العوامل. في الولايات المتحدة، نتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا العام في ظل اقتراب التضخم والبطالة من المستويات المستهدفة (أنظر تحليلنا الاقتصادي للأسبوع الماضي: الظروف مهيأة لقيام بنك الاحتياطي برفع سعر الفائدة لمرة واحدة في 2016).حالياً، احتمال رفع أسعار الفائدة من طرف بنك الاحتياطي الفيدرالي هذا العام لا ينعكس بشكل كامل في الأسواق ــ تبلغ نسبة الاحتمال الضمني لحدوث جولة واحدة من زيادة اسعار الفائدة نسبة 59% في سوق العقود الآجلة لأسعار الفائدة. وبالتالي، فإنه في حال قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تراجع قيمة الين أمام الدولار الأمريكي. 

في اليابان، يقوم حالياً البنك المركزي بمراجعة تأثير سياساته النقدية على الاقتصاد، وسيتم نشر نتائج هذه المراجعة في 21 سبتمبر، ومن شأن هذه المراجعة أن تمهد الطريق لاتخاذ مزيد من إجراءات التيسير من أجل دعم التضخم والنمو. فمن المرجح أن يؤدي تخفيف السياسة النقدية أكثر إلى إضعاف قيمة الين، مما سيدعم المصدرين ويرفع تكاليف الاستيراد والتضخم. كما سيهدف تخفيف السياسة النقدية إلى إنعاش الاستثمار والاستهلاك. لكن وبالنظر إلى محدودية التدابير التي يمكن أن يتخذها بنك اليابان في ظل اقتراب أسعار الفائدة من مستوى الصفر، قد يحتاج الاقتصاد الياباني إلى سياسة مالية أكثر توسعاً لتحقيق تأثير مهم على النمو. وتعتبر حزمة التحفيزات المالية التي تم الإعلان عنها مؤخراً والتي تبلغ قيمتها 45 مليار دولار أمريكي خطوة إيجابية في هذا الاتجاه.