فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

في الثامن من نوفمبر 2016، أقدمت الحكومة الهندية على واحدة من أكثر التجارب النقدية إثارة للانتباه على الإطلاق. فقد أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بشكل غير متوقع حظراً على استخدام أوراق النقد من الفئتين الأعلى 500 و 1000 روبية. وقد أدت السياسة الحكومية الرامية لتغيير الأوراق النقدية الكبيرة، أو ما عرف باسم "demonetisation" ، إلى إزالة فورية لنسبة 86% من حجم النقد من التداول. وقد أعطي أصحاب هذه الأوراق النقدية مهلة حتى نهاية عام 2016 لاستبدالها في شكل ودائع لدى البنوك. وكان قد تم تقييد حجم الودائع التي يمكن سحبها في شكل نقدي حيث أن البنك المركزي كان يواجه صعوبات لوجستية في استبدال الأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة. وقد قاد هذا العجز النقدي إلى إيقاف النشاط الاقتصادي، ويقدّر بأن يؤدي إلى خفض في النمو الاقتصادي بحوالي 1 نقطة مئوية في السنة المالية المنتهية في 31 مارس 2017 (2016/2017). ولكن بعد اكتمال عملية استبدال العملة القديمة بالأوراق النقدية الجديدة وزوال تأثير الضائقة النقدية، من المرجح أن ينتعش النمو في السنة المالية 2017/2018.

 
العملة الهندية لدى الجمهور

كانت هناك ثلاثة أسباب وراء قرار الحكومة لاتخاذ مثل هذا الاجراء الاستثنائي. أولاً، كانت الحكومة تهدف الى تقليل الاعتماد على النقد في المعاملات، حيث تعدّ الهند أحد أكثر الاقتصادات الكبيرة اعتماداً على النقد. ويصل فيها النقد الموجود في التداول إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط قدره 7% فقط في الأسواق الناشئة الأخرى. وترتبط محاولة الحكومة للحد من الاعتماد على النقد بجهودها الرامية لتعميق القطاع المصرفي من خلال تعزيز السيولة وزيادة استخدام التقنيات الرقمية. ثانياً، أرادت الحكومة القضاء على السوق السوداء، ذات الاعتماد المكثف على النقد، والتي تمثل 23% من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للبنك الدولي، ضمن الاقتصاد الرسمي. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى زيادة إيراداتها من خلال توسعة القاعدة الضريبية والحد من التهرب الضريبي. ويمكن لعملية التحول بعيداً عن النقد نحو وسائل الدفع الإلكتروني، التي تتيح تسجيل المعاملات، أن تساعد على تحقيق هذه الغاية. ثالثاً، أرادت الحكومة مكافحة تزوير أوراق النقد الهندية.

ويبقى أن نرى فيما إذا كانت الحكومة ستنجح في تحقيق أهدافها، لكن من المتوقع أن تؤثر أزمة النقد على الأنشطة الاقتصادية. فمع هذه الأزمة يلجأ المستهلكون لتخزين أي نقود يملكونها وتأجيل أي مشتريات غير ضرورية. كما يقضي الناس وقتاً طويلاً في طوابير الانتظار أمام البنوك وأجهزة النقد لإيداع الأوراق النقدية القديمة أو سحب النقد، مما يقلل من انتاجيتهم. وأدى نقص النقد أيضاً إلى تعطيل الإنتاج مع معاناة الشركات لدفع قيمة مدخلات الإنتاج. وعلى الرغم من أن تغيير الأوراق النقدية قد أدى إلى زيادة كبيرة في الودائع، بشكل تحسنت معه السيولة في النظام المصرفي وانخفضت أسعار الفائدة، لم يكن هذا التأثير كبيراً بما يكفي ليقابل التأثير الهبوطي لنقص النقد.

وتؤكد آخر بيانات الأنشطة التباطؤ الذي حدث في الاقتصاد. فقد تراجعت نتائج استبيان مؤشر مدراء المشتريات المركب إلى أدنى مستوى لها في نوفمبر. كما أظهرت مبيعات السيارات انخفاضاً كبيراً. وتأثرت مواد استهلاكية أخرى بعملية تغيير الأوراق النقدية. نتيجة لذلك، من المتوقع أن يتباطأ النمو بواقع نقطة مئوية واحدة خلال السنة المالية 2016/2017. علاوة على ذلك، تباطأ التضخم إلى مستوى منخفض جداً منذ سنوات وبلغ 3.6% في نوفمبر مع ضعف الأنشطة الاقتصادية.

فإلى متى سيستمر التباطؤ الاقتصادي؟ يعتمد الجواب على مدى سرعة السلطات في استبدال الأوراق النقدية القديمة بالجديدة وتخفيف مشكلة النقد، ومدى النجاح في استبدال الدفع النقدي بطرق أخرى للدفع، ودرجة إضفاء الصفة الرسمية على اقتصاد السوق السوداء، وهي الأمور التي من شأنها أن تساعد الحكومة على زيادة عائداتها وتوفير تحفيزات مالية.

وبناء على هذه العوامل الثلاثة، نتوقع أن ينتعش النمو في السنة المالية 2017/2018 مع طباعة البنك المركزي ما يكفي من أوراق نقدية لاسترجاع مستوى مخزون النقد السابق لمرحلة تغيير الأوراق النقدية مع تحول الناس تدريجياً إلى وسائل غير نقدية في المعاملات المالية. ومن شأن ذلك ان يسمح للمستهلكين من القيام بإنفاذ المشتريات المؤجلة بسبب عملية تغيير الأوراق النقدية. علاوة على ذلك، ومع توسيع الحكومة للقاعدة الضريبية من خلال إدخال اقتصاد السوق السوداء، سيكون لديها الوسائل لزيادة التحفيزات المالية سواء من خلال زيادة الانفاق أو خفض الضرائب. وبالفعل، اتخذت الحكومة بعض الإجراءات التحفيزية في 31 ديسمبر، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على المواطنين من كبار السن، ومشروعات الإسكان في المناطق الريفية وتقديم قروض رخيصة للمزارعين. ومن شان الانتعاش المتوقع في 2017/2018 أن يجعل من الهند أسرع الاقتصادات الرئيسية نمواً مرة أخرى.