فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

أبقى صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي في 2017 دون تغيير عند 3.4% في آخر تحديث لنشرته "مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي". وقد أخفى الرقم الإجمالي بعض التغييرات في مكونات النمو العالمي منذ الجولة الأخيرة من توقعات صندوق النقد الدولي التي أعدت في أكتوبر 2016. وقد تمت مراجعة توقعات النمو في الاقتصادات المتقدمة برفعها 0.1 نقطة مئوية إلى 1.9% بينما تمت مراجعتها بالنسبة للأسواق الناشئة بخفضها بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 4.5%. ولكننا نرى أن هذه التوقعات مفرطة في التفاؤل ونتوقع أن يتم تخفيضها في المستقبل، وذلك بالنظر لسجل صندوق النقد الدولي الحافل بتخفيض توقعات النمو العالمي بانتظام في السنوات الأخيرة (انظر الرسم البياني، لاحظ اتجاه التوقعات).

 
مراجعات صندوق النقد الدولي لتوقعاته للنمو العالمي

قام صندوق النقد الدولي بمراجعة ورفع توقعاته للنمو لمعظم الاقتصادات المتقدمة، وذلك في الأساس كرد فعل على البيانات الاقتصادية الأخيرة التي جاءت قوية على نحو غير متوقع، ولكن أيضاً بسبب بعض العوامل الأخرى. ففي الولايات المتحدة، ارتفع النمو ووصل إلى 2.5% في النصف الثاني من 2016 مقارنة بنسبة 1.4% في النصف الأول. وبالإضافة إلى ذلك، يتوقع الآن إقرار التحفيز المالي في الولايات المتحدة بعد انتخاب الرئيس ترامب. وبناءً على ذلك، عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في الولايات المتحدة في عام 2017 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 2.3%. وفي أوروبا، لم تتحقق بعد بالكامل التبعات السلبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، حيث ظل الاستهلاك في وضع أفضل مما كان متوقعاً. ومع وضع هذه التطورات في الاعتبار، قام صندوق النقد الدولي برفع توقعاته لمنطقة اليورو والمملكة المتحدة لعام 2017 بمقدار 0.1 نقطة مئوية و 0.4 نقطة مئوية على التوالي.

توقعات صندوق النقد الدولي للنمو في 2017

في الأسواق الناشئة، كان تخفيض التوقعات راجعاً بالأساس إلى صعوبات الظروف المالية، إلى جانب عوامل معينة ذات تأثير على عدد من البلدان. ونبدأ بصعوبات الأوضاع المالية، حيث ارتفعت عائدات سندات الخزينة الأمريكية لأجل 10 سنوات بحوالي 1 نقطة مئوية منذ آخر تقرير لصندوق النقد الدولي في أكتوبر. نتيجة لذلك، ضعفت تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة بشكل كبير (أنظر تحليلنا في الأسبوع الماضي، تحسنت تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة في 2016، لكن من المرجح أن تتراجع مستقبلاً)، مما أدى لخفض مستوى التوقعات لعدد من الأسواق الناشئة. على سبيل المثال، تم تخفيض توقعات النمو لمجموعة الدول الآسيوية الخمس (آسيا-5) (إندونيسيا وماليزيا والفليبين وتايلند وفيتنام) بواقع 0.2 نقطة مئوية إلى 4.9%.

وفيما يتعلق بالعوامل الخاصة بالبلدان، من المتوقع أن يكون لعملية تغيير الأوراق النقدية في الهند (أنظر تحليلنا، تراجع النمو في الهند بسبب إلغاء الفئات النقدية الكبيرة) تأثير مؤقت لكنه حاد على الأنشطة الاقتصادية، وقد قام صندوق النقد الدولي بتخفيض توقعاته للنمو بواقع 0.4 نقطة مئوية إلى 7.2%. بينما تعتبر المكسيك، بالتحديد، معرضة لتأثير السياسة الحمائية المحتملة لإدارة دونالد ترامب وتم تخفيض التوقعات المتعلقة بالنمو فيها بـ 0.9 نقطة مئوية. أما في البرازيل، فإن التعافي لم يكن بتلك القوة المتوقعة، وتم تخفيض التوقعات المرتبطة بها بـ 0.3 نقطة مئوية إلى 0.2%. وتجدر الإشارة إلى أنه لو لا الصين لكانت التوقعات المتعلقة بالأسواق الناشئة سيئة للغاية. وقد قام صندوق النقد الدولي برفع توقعاته للنمو في الصين بـ 0.3 نقطة مئوية إلى 6.5% بفضل تعزيز التحفيزات المالية للنمو بشكل أكبر مما كان متوقعاً.

إن توقع الصندوق لنمو بنسبة 3.4% في 2017 يعدّ تسارعاً كبيراً في النمو مقارنة بـ 3.1% في 2016. وسيكون مصدر هذا الارتفاع من الاقتصادات المتقدمة (1.9% من 1.6%) وأيضاً من الأسواق الناشئة (4.5% من 4.1%). وبرأينا، فإن هذا التسارع واسع النطاق للنمو العالمي المتوقع يبدو متفائلاً بأكثر مما يجب .

هناك عدة عوامل في الاقتصادات المتقدمة يُرجح أن تؤدي إلى معدلات نمو مخيبة للآمال. أولاً، قد يكون تمرير قرارات التحفيز المالي في الولايات المتحدة أصعب مما كان يُتوقع في السابق، كما يمكن أن يقابله تشديد للسياسة النقدية من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي. ثانياً، يُرجح أن يؤثر ارتفاع أسعار السلع سلباً على الاستهلاك. ثالثاً، توجد الكثير من المخاطر السياسية، بدءاً بخروج بريطانيا بشكل غير سلس من الاتحاد الاوربي وصولاً إلى المخاطر الأمنية، ولذلك فإن حدوث صدمات سلبية في النمو أمر مرجح بدرجة كبيرة. وأخيراً، يمكن لارتفاع الحمائية أن يزيل المكاسب المحتملة من الحوافز المالية في الاقتصادات المتقدمة وأن ينتقل تأثيره إلى بقية العالم. وقرار ترامب الأخير بالانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ هو دليل على أن هذه المخاطر قائمة.

أما في الاقتصادات الناشئة، من المستبعد حدوث تسارع كبير في النمو نظراً لأن الأوضاع المالية ستكون صعبة لدرجة كبيرة في عام 2017. وقد ساعدت السياسة النقدية الميسرة في الاقتصادات المتقدمة منذ الأزمة المالية العالمية على تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، لكن الأمور حالياً تسير في اتجاه مغاير، فقد ارتفعت العائدات في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن التيسير النقدي في الاقتصادات المتقدمة الأخرى يقترب من حدوده القصوى، حيث بدأت بالفعل التكهنات بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي بتخفيض برنامج التيسير الكمي. وقد لا تستمر سياسة التحفيز في الصين في ظل ارتفاع ديون الشركات وتزايد مخاطر حدوث هروب غير منتظم لرؤوس الأموال. ومن شأن حدوث تباطؤ أكبر من المتوقع في الصين أن يؤثر بشكل مباشر على النمو في الاقتصادات الناشئة، كما أنه سيؤثر عليها أيضاً بشكل غير مباشر لأن العديد من تلك الاقتصادات يعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الصين.

ولذلك، فإننا نشك في تحقق توقعات صندوق النقد الدولي. وقد صرح الصندوق نفسه بأنه لا يمكن الوثوق تماماً بتوقعاته في المرحلة الحالية نظراً لوجود قدر كبير من عدم الوضوح بشأن سياسات الإدارة الأميركية الجديدة. وعليه فإننا نتوقع أن يأتي النمو دون توقعات الصندوق عند مستوى قريب من نسبة 3%.