فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

في 14 يونيو، رفع بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي سعر الفائدة للمرة الثانية هذا العام كما كان متوقعاً على نطاق واسع. ولكن ما لم يكن مؤكداً هو مواصلة مسار تشديد السياسات مستقبلاً في ظل ضعف معدلات التضخم في الآونة الأخيرة. وفي خطوة كانت مفاجئة للبعض، حافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي على خطته لرفع سعر الفائدة لمرة ثالثة في عام 2017، وحدد لعملية تخفيض تدريجي في ميزانيته العمومية للمرة الأولى يتوقع لها أن تبدأ هذا العام. وقد ردت الأسواق بقلق حينما انخفضت عائدات السندات الأمريكية بسبب حساسيتها لضعف معدلات التضخم أكثر من تأثرها بتشديد سياسة الفائدة من قبل بنك الاحتياط الفيدرالي. ونقوم في المقال التحليلي لهذا الأسبوع بالبحث في هذه القضايا. وبرأينا أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يواصل اتباع التزامه برفع أسعار الفائدة لمرة أخرى وإقرار تخفيض الميزانية العمومية في عام 2017.

هل تستدعي الظروف الاقتصادية رفع معدل الفائدة لمرة ثالثة؟ إن أحدث ملخص للتوقعات الاقتصادية صدر عن البنك الاحتياطي الفدرالي مع قراره الأخير حول سعر الفائدة يكشف عن صورة مختلطة في هذا الخصوص. فبنك الاحتياطي الفدرالي يتوقع تحسناً جوهرياً في سوق العمل، فيما يتوقع انخفاضاً طفيفاً في التضخم. كما يتوقع أن ينخفض معدل البطالة من 4.7% في عام 2016 إلى 4.3% في عام 2017، بينما يتوقع أن ينخفض التضخم الأساسي من 1.7% في عام 2016 إلى 1.6% في عام 2017. واستناداً إلى هذه التقديرات، تشير القاعدة النموذجية التي يستخدمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في ربط البطالة والتضخم إلى قرارات أسعار الفائدة (أي ما يسمى بقاعدة تايلور) إلى أن رفع سعر الفائدة مرتين في عام 2017 سيكون أمراً مناسباً.

فلماذا إذاً يحرص بنك الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة للمرة الثالثة؟ يكمن الجواب في نظرة بنك الاحتياطي إلى التضخم. لقد تراجع التضخم الأساسي خلال الأشهر الأخيرة من متوسط 1.7% ما بين أكتوبر 2016 وفبراير 2017 إلى 1.6% في مارس وأبريل. وساهمت عوامل مؤقتة بشكل كبير في هذا التراجع، ومن المتوقع أن تستمر هذه العوامل في الحيلولة دون ارتفاع التضخم حتى تلاشي تأثيراتها في 2018. ويعكس هذا الضعف في التضخم تغييراً منهجياً أدى إلى تغيير طريقة احتساب تكاليف الهاتف الجوال في مؤشر أسعار المستهلك وتراجعاً حاداً لمرة واحدة في أسعار الأدوية. وساهم هذين العاملين في تراجع التضخم الأساسي بما يقدر بـ 0.1 - 0.2 نقطة مئوية. وبالتالي، فإن من المرجح أن يضع بنك الاحتياطي الفيدرالي في اعتباره مثل هذه العوامل المؤقتة عند توقعه رفع الأسعار مرة أخرى خلال السنة . إلى جانب ذلك، يمكن التأكد من صحة هذا الأمر من خلال تعديل قاعدة تايلور. وبإدخال تقديرات للتضخم الأساسي تستبعد تأثيرات هذه العوامل المؤقتة، سنكتشف أن رفع أسعار الفائدة ثلاث مرات هذا العام سيكون أمراً مناسباً.

 

Chart 1

ولكن، لماذا يرغب بنك الاحتياطي الفيدرالي في تشديد أسعار الفائدة أكثر من خلال البدء في تخفيض ميزانيته العمومية؟ لقد أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي استراتيجية لتقليص حجم ميزانيته العمومية من خلال السماح للأوراق المالية الحكومية والمدعومة من الحكومة طويلة الأجل والتي تم شراؤها في إطار برامج التخفيف الكمي المتعددة أن تصل إلى أجل استحقاقها مع عدم إعادة استثمار عائداتها. ومن حيث المبدأ، فإن ذلك سيزيل الضغط النزولي على العائدات ويوفر لبنك الاحتياطي الفيدرالي أداةً أخرى يمكن من خلالها تشديد السياسة النقدية. ورغم أنه لا تزال هناك شكوك كبيرة حول حجم الزيادة التي ستطرأ على العائدات جراء ذلك، فإن وتيرة وحجم التخفيض المقترح يرجحان أن تأثيره سيكون صغيراً نسبياً في عام 2017. وقد أعلن مسؤولون أن الميزانية العمومية ستنخفض في البداية بما لا يزيد عن 10 مليار دولار في الشهر، مع ارتفاع هذا السقف تدريجياً كل ثلاثة أشهر حتى يصل إلى 50 مليار دولار في الشهر. وتبلغ الميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي حوالي4.5 ترليون دولار وقد أعربت السلطات عن نيتها خفض الأصول إلى مستويات أدنى من الحالية ولكن ليس إلى مستويات ما قبل الأزمة، مما يشير إلى أن التخفيض سيكون طويلاً وتدريجياً على نحو يحدّ من مخاوف تسارع وتيرة التشديد.

في الختام، يبدو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي مصمم على تشديد السياسة النقدية من خلال رفع أسعار الفائدة وتخفيض حجم ميزانيته العمومية، ونتوقع أن يلتزم البنك بتنفيذ التزاماته. ونظراً للطابع الانتقالي لضعف التضخم، فإن الظروف الاقتصادية المتوقعة تستدعي القيام بجولة إضافية من رفع أسعار الفائدة ولا يُرجح ظهور تأثير ملموس لتخفيض الميزانية العمومية إلا في عام 2018 وما بعده. وإضافة إلى ذلك وبعد سنوات من عدم الإيفاء بوعوده بشأن رفع أسعار الفائدة، نتوقع أن يكون بنك الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذراً في تنفيذ التدابير المقترحة للحفاظ على مصداقيته.