فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير  عربي أو  English

اجتمع ما يقرب من 30 من زعماء العالم بمدينة بكين في شهر مايو الماضي لمناقشة مبادرة "الحزام الاقتصادي". وهذا المشروع الذي أطلق لأول مرة في عام 2013 (كان يعرف حينه باسم "حزام واحد، طريق واحد") هو برنامج عالمي للبنية التحتية بقيادة الصين يهدف إلى تحسين الربط والتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. والآن وبعد مرور أربع سنوات، يجري تنفيذ الموجة الأولى من المشاريع، وتعمل الصين على حشد المزيد من الدعم الدولي للمشروع. ولكن لا زال هناك غموض حول ماهية مشروع "الحزام الاقتصادي" بالضبط، وما هي مشروعاته الرئيسية، ولماذا تقدم الصين على مثل هذا المشروع التوسعي. سنقوم في تحليلنا الأسبوعي الحالي بتناول هذه القضايا وتسليط الضوء على بعض التحديات التي قد تواجهها الصين في تنفيذ المشروع.

تهدف المبادرة لتطوير النقل والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومحطات الطاقة بامتداد ستة ممرات اقتصادية تربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا عن طريق البر وبالهند وجنوب شرق آسيا عن طريق البحر. وتشير الخطط الحالية إلى أن مشاريع "الحزام الاقتصادي" ستشمل أكثر من 60 بلداً تمثل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للعالم. ولتمويل هذه المبادرة، أعلنت الصين في مؤتمر القمة الخاص بالمبادرة الذي انعقد مؤخراً أنها ستنفق 124 مليار دولار أمريكي على المشاريع في حين أنها قدمت في السابق قروضاً بقيمة 890 مليار دولار أمريكي من خلال بنوك التنمية والبنوك المتعددة الأطراف الصينية. وعموماً، تبلغ التكلفة الإجمالية التقديرية للمشاريع التطويرية لمبادرة الحزام الاقتصادي حوالي 1.2 تريليون دولار أمريكي، غير أنه لم يتم حتى الآن سوى إنفاق حوالي 33 مليار دولار أمريكي فقط. 

 

Economic Corridors

 

تشتمل مبادرة الحزام الاقتصادي على عدة مشاريع كبرى. في الباكستان، تقود الصين عملية تحويل ميناء جوادر في جنوب البلاد إلى مركز للطاقة يربط الصين بالشرق الأوسط. ويتضمن هذا المشروع بناء طريق وشبكة أنابيب تمتد من ميناء جوادر إلى غرب الصين، مما يقلص رحلة استيراد مواد الطاقة من 12,000 كلم عبر البحر إلى 3,000 كلم. وقد بدأت فعلاً الأشغال في شبكة الطرق وتوسيع الميناء. وتم إقامة ربط بين طهران والصين عبر السكك الحديدية في 2016، بالإضافة إلى بوابة خورجوس وهي مركز رئيسي لشحن البضائع ما بين الصين وكازاخستان يتم العمل فيه حاليا ومن المتوقع أن يتم تمديده في إطار مبادرة الحزام الاقتصادي. كما أن هناك مشاريع واعدة أخرى في غاية الأهمية لم يبدأ العمل فيها بعد. ومن بين هذه المشاريع هناك مشروع الربط عبر السكك الحديدية بين بكين وموسكو (7,000 كلم) وجنوب الصين وماليزيا وسنغافورة (3,000 كلم)، علاوة على ميناء في المياه العميقة في سريلانكا. 

ما الذي يدفع الصين إلى الإقدام على هذا المشروع الطموح والمكلف؟ هناك ثلاثة أسباب ممكنة، أولاً، أدى تباطؤ النمو في الاقتصاد الصيني إلى فائض في الطاقة الإنتاجية، خصوصاً في المشاريع الكبيرة لتنمية البنية التحتية والتي اكتسبت فيها الشركات الصينية خبرة جيدة. وتفسح مبادرة الحزام الاقتصادي مجالاً لتصدير هذه الطاقة الإنتاجية والمهارات التكنولوجية التي من شأنها أن تشكل عامل سحب للاقتصاد المحلي في حال لم تستغل. 

ثانياً، لا يزال هناك فائض كبير في المدخرات المحلية في الصين. وعملية إعادة التوازن نحو الاستهلاك مستمرة ولكن ليس بالسرعة الكافية لتخفيض فائض المدخرات. وربما يرى صناع القرار أن الاستثمار الخارجي في المشاريع التي تشرف عليها وتقودها الصين هو وسيلة هامة لتوجيه تلك المدخرات إليها. ثالثاً، من المفترض أن تجني الصين فوائد من زيادة حجم التدفقات التجارية. فمن بين جميع البلدان المشاركة في مبادرة الحزام الاقتصادي، يُرجح أن يستفيد المصدرون الصينيون والقطاعات الصينية المرتبطة بالتجارة أكثر من غيرهم. فالمبادرة ستخفض تكاليف النقل وتقلل أوقات التسليم وتحسن إمكانية الوصول للأسواق النامية والناشئة. وعلاوة على ذلك، توفر المبادرة فرصة لاحتفاظ الصين بقدرتها على التحكم في تدفق التجارة الآسيوية، حتى ولو تراجعت حصتها من حيث الانتاج أمام الدول الآسيوية الأخرى مع تحرك الصين صعوداً في سلسلة القيمة الصناعية وتحولها إلى اقتصاد قائم على الاستهلاك. 

إن مبادرة الحزام الاقتصادي فعلاً لا تشبه أي شيء في التاريخ الاقتصادي الحديث، ولذلك سيكون تنفيذها مصحوباً بتحديات كبيرة. فمهمة بناء المشروع بحجمه المقترح قد تستغرق وحدها عدة عقود، ناهيك عن كيفية قيام الصين بالتنسيق بين 60 بلداً مختلفاً. كما أن تحقيق المستوى المطلوب من العائد سيكون أمراً في غاية الصعوبة نظراً لأن هذه الاستثمارات هي في الأساس مشاريع إنمائية طويلة الأجل وليست مشاريع تجارية بحتة. ويمكن لتحقيق عائدات دون المستوى المطلوب أن يُسبب مشاكل فيما يتعلق بخدمة الدين في البلدان المتلقية للقروض وأن يؤذي المستثمرين والبنوك في الصين. وباختصار، يجب على صناع القرار الانتباه لهذه المخاطر. فعلى الرغم من أن مبادرة الحزام الاقتصادي يمكن أن تحقق فوائد هائلة، كذلك يمكن لتكاليفها أن تكون باهظة.