فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

يظل الاقتصاد القطري أحد أقوى الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رغم الحصار الذي فرض على البلاد من طرف بعض الدول المجاورة. وقد تواصلت صادرات النفط والغاز بدون انقطاع وتم إنشاء طرق جديدة للتجارة، كما أن السلطات حريصة على تحقيق درجة عالية من الاكتفاء الذاتي على المستوى الاقتصادي. وبينما تسبب الحصار في بدايته في اضطراب بعض الأنشطة الاقتصادية، إلا أنه سرعان ما تلاشى ذلك التأثير. وفي المدى المتوسط، نتوقع أن يثبت الاقتصاد القطري مرونته وصلابته. وستستفيد القطاعات المحلية من زيادة الاعتماد على النفس، كما أنه من شأن خطط الحكومة لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال والتوجه الجديد لجذب السياح من مختلف أنحاء العالم أن يدعما النمو في المستقبل.

 

chart 1

لقد أثر الحصار على قطاعين رئيسين في الاقتصاد، وكان القطاع الأول الذي تأثر بشكل مباشر هو التجارة. فبُعيد الإعلان عن الحصار، تراجعت الواردات في شهر يونيو وظلت منخفضة في يوليو. لكن مع حلول شهر أغسطس، أظهرت آخر بيانات التجارة المتوفرة انتعاش الواردات بنسبة 40%، أي قريب من مستوى ما قبل الحصار، وهو ما يعكس التكيف السريع مع الوضع وإيجاد مصادر استيراد بديلة وإنشاء طرق تجارية جديدة. وقد كان افتتاح ميناء حمد الجديد مؤخراً، والذي يعتبر أحد أكبر الموانئ في المنطقة، حاسماً في دعم الاستيراد خلال الحصار.

 

chart 2

وكان القطاع المصرفي هو الثاني من حيث التأثر في ظل حالة عدم اليقين التي سادت مباشرة بعد الحصار والتي تسببت في سحب بعض الودائع من المصارف القطرية. لكن تأثير خروج هذه الأموال قد تلاشى خلال الأشهر التالية حيث ذكر صندوق النقد الدولي في تقرير صدر مؤخراً أنه "قد تم تخفيف التأثير على الميزانيات العمومية للبنوك من خلال ضخ السيولة من طرف مصرف قطر المركزي وزيادة ودائع القطاع العام." بشكل عام، يظل القطاع المصرفي قوياً ويتمتع بجودة أصول عالية ورسملة قوية. كما أن الحكومة في وضع مالي مريح بفضل أصول عامة تفوق قيمتها 250% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الواقع، مقارنة مع البلدان الأخرى في المنطقة، تأتي قطر في المرتبة الثانية بعد الكويت من حيث إجمالي صافي الأصول الأجنبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يوفر لها إحدى أقوى الموازنات العمومية بين نظيراتها.

وبالتالي، سيشهد الاقتصاد في المدى القريب تلاشي الصدمة الناتجة عن الحصار. وفي المدى المتوسط، نتوقع أن يكون الحصار بالفعل أمراً إيجابياً بالنسبة لقطر، حيث ستستفيد بعض القطاعات المحلية من الفراغ التجاري الناشئ عنه. فعلى سبيل المثال، تم إطلاق عدد من مبادرات القطاع الخاص لجعل قطر تعتمد على نفسها بقدر أكبر في إنتاج الغذاء، مثل تجهيز مزارع ضخمة للألبان والدواجن. ومن المرجح أيضاً أن يؤدي الحصار مع الدعم المقدم من قبل الحكومة للتصدي لآثاره إلى تشجيع إنتاج السلع الأخرى محلياً، حيث ستستفيد شركات النقل والخدمات اللوجستية تدريجياً من الزيادة في حجم السلع التجارية التي تصل قطر مباشرة عبر ميناء حمد الجديد. وأخيراً، نتيجة لانخفاض عدد زوار قطر من دول الحصار، أطلقت السلطات حملة جديدة لاجتذاب السياح الدوليين، وتم رفع القيود على التأشيرات وإنشاء فنادق جديدة وإطلاق مشاريع سياحية أخرى.

لكن أهم عامل يدعم التوقعات في قطر على المدى المتوسط هو خطط الحكومة للتوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال. ففي شهر يوليو- بعد بدء الحصار- شرعت السلطات في تنفيذ تعهدها السابق بزيادة إنتاج الغاز من خلال الإعلان عن زيادة ثانية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال. وبذلك سيصل إجمالي الزيادة المتوقعة في إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 30% في غضون خمس إلى سبع سنوات. وسيتطلب تنفيذ هذه الخطط استثمار مليارات الدولارات في خطوط الأنابيب الجديدة والبنى التحتية الأخرى لاستخراج الغاز الإضافي، فضلاً عن المنشآت الكبيرة لمعالجة الغاز، مثل قطارات الغاز الطبيعي المسال. ولضمان بدء الإنتاج الفعلي في غضون خمس إلى سبع سنوات، سيتعين على السلطات البدء في أعمال التشييد في المستقبل القريب. وسيكون لذلك آثار هامة على بقية الاقتصاد، كما سيجتذب العمال الأجانب، وهو ما سيزيد بدوره في الطلب على السكن والسلع والخدمات. وباختصار، يمكن القول بأن زيادة إنتاج الغاز ستشكل مرحلة جديدة في تطور الاقتصاد القطري.