فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي أو English

كانت هناك فورة في نشاط البنوك المركزية خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى نيته القيام برفع سعر الفائدة للمرة الثالثة خلال العام في اجتماعه المقبل في ديسمبر. وأعلن البنك المركزي الأوروبي أنه "سيخفض حجم" برنامج شراء الأصول رغم أنه سيمدد العمل به إلى 2018. كما قام بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) برفع سعر الفائدة لأول مرة خلال عقد من الزمان. وقد دفعتنا هذه التطورات إلى تقييم ما إذا كان هناك أي مخاطر على النمو العالمي من تشديد السياسة النقدية العالمية. وجاءت نتيجة تحليلاتنا بأن المخاطر ستكون منخفضة وأن السياسة النقدية العالمية ستظل ميسرة في عام 2018 على الرغم من أنها ستكون أقل تيسيراً مما كانت عليه في عام 2017. 

 يستند تقييمنا للاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية إلى تحليل عاملين اثنين هما: التغيرات المتوقعة في حجم ميزانيات البنوك المركزية والديناميكيات المحركة للتضخم في المستقبل. يعكس حجم ميزانيات البنوك المركزية بشكل أساسي حجم برامج التيسير الكمي - ارتفعت ميزانيات البنوك المركزية في دول مجموعة الأربعة ارتفاعاً حاداً بعد الشروع في برامج شراء السندات في أعقاب الأزمة المالية، وتمثل أثر ذلك في انخفاض أسعار الفائدة على المدى الطويل، وتحفيز الطلب. إن زيادة حجم الميزانية العمومية من خلال مزيد من التيسير الكمي هو شكل آخر من أشكال التيسير النقدي.

إن التنبؤ بتطور الميزانيات العمومية للبنوك المركزية أمر سهل نسبياً لأن معظم البنوك المركزية قد حددت سلفاً ما تود القيام به. سيقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتخفيض ميزانيته العمومية حيث بدأ في الشهر الماضي التخلص من الأوراق المالية التي تم شراؤها من خلال برامج التيسير الكميّ عند استحقاقها دون إعادة استثمارها. وسوف تتسارع هذه العملية تدريجياً خلال عام 2018 وتؤدي إلى انخفاض معتدل بنحو 140 مليار دولار أمريكي في الميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي البالغة 4.5 تريليون دولار أمريكي.

ويسير كل من البنك المركزي الأوربي وبنك إنجلترا المركزي وبنك اليابان المركزي في الاتجاه المعاكس، بزيادة ميزانياتهم العمومية من خلال شراء المزيد من السندات في 2018. وقد قام البنك المركزي الأوربي بتقليص برنامجه للتيسير الكمي لكنه مدده حتى سبتمبر 2018، وحافظ على موقف معتدل رغم تراجع البطالة وزيادة النمو. ويمكن القول أيضاً أن موقف بنك إنجلترا المركزي وبنك اليابان المركزي أكثر اعتدالاً فيما يتعلق بمستقبل برامج التيسير الكمي الخاصة بهم. فرغم الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة، فإن ظروف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي تهيمن على الآفاق المستقبلية للمملكة المتحدة وظل الحديث عن إنهاء برنامج التيسير الكمي محدوداً جداً بعد أن اشتد في العام الماضي عقب التصويت للخروج من الاتحاد الأوربي. وقد أكد بنك اليابان المركزي تكراراً التزامه بالحفاظ على برنامج التيسير الكمي حتى يجتاز التضخم معدل 2% المستهدف – وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً بالنظر إلى أن معدل التضخم الأساسي في اليابان يبلغ حالياً حوالي 0%.

 

chart

النتيجة الرئيسية هي أن الميزانيات العمومية للبنوك المركزية العالمية ستسمر في التوسع في 2018. وبناء على التعهدات التي أخذتها البنوك المركزية على عاتقها حيال السياسة النقدية، نتوقع أن تتوسع الميزانيات العمومية المجمعة لمجموعة الأربعة بمتوسط 11% في 2018. ويعدّ هذا تباطؤاً بسيطاً مقارنة بنمو يقدر بحوالي 16% في 2017، بسبب تقلص الميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي

إن فهم المسار الذي سيسلكه التضخم وتأثيره على قرارات رفع أسعار الفائدة يشكل تحدياً أكبر. فانخفاض معدلات البطالة لم يؤد إلى زيادة التضخم في عام 2017، مما دفع الكثيرين للتشكك في فعالية سياسات التيسير التي تنتهجها البنوك المركزية. ويبدو أن هذا القلق قد انتقل إلى توقعات التضخم لعام 2018، حيث تشير التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية والقطاع الخاص إلى أن التضخم سيشهد تحسناً طفيفاً يتراوح بين 10 و20 نقطة أساس في الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو، وأنه سيتراجع في المملكة المتحدة. وعلى وجه الخصوص، من المتوقع أن يظل التضخم في منطقة اليورو واليابان أقل بكثير من النسب المستهدفة. وباستخدام هذه التوقعات في قاعدة تايلور القياسية، التي تربط بين التضخم وقرارات سعر الفائدة، نستنتج أن بنك انجلترا قد يقوم برفع الفائدة مرة واحدة في حين يُتوقع قيام بنك الاحتياطي الفدرالي برفع الفائدة مرتين أو ثلاث مرات في عام 2018. ولكن، حتى لو تجاوز التضخم التوقعات في منطقة الیورو واليابان، فإن المعلومات الواردة من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان المركزي تشير إلى أنهما سيستمران في الميل نحو التيسير. وقد ذكر كلا البنكين مراراً أن أسعار الفائدة ستبقى دون تغيير طالما أن برنامج التيسير الكمي لا يزال قائماً.

ولذلك، فإن مخاطر حدوث تشديد متزامن للسياسة النقدية حول العالم في عام 2018 تبدو منخفضة. ولكن ستظل وتيرة تطبيع السياسات متفاوتة بين منطقة وأخرى. ويبدو أن بنك الاحتياطي الفدرالي متقدم على نظرائه من البنوك المركزية في مجال تطبيع السياسات، ومن المرجح أن تتسع الفجوة بينه وبقية البنوك في العام المقبل. وفي المجمل، من المرجح أن تبقى السياسة النقدية العالمية ميسرة في عام 2018، وأن تظل مخاطر تشديدها منخفضة على النمو العالمي.