فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

اختتمت أوبك وروسيا اجتماعاتهما الأسبوع الماضي بالموافقة على زيادة الإنتاج للمرة الأولى منذ ما يقرب من عامين. ورغم أن التفاصيل لا تزال غائمة في غياب أرقام رسمية للإنتاج المستهدف، لكن من المرجح أن يزداد العرض لما يصل إلى مليون برميل في اليوم على مدى الأشهر الستة المقبلة. وعلى نحو يعكس جزئياً عدم دقة الاتفاق، شهدت أسعار النفط الفورية تقلبات عقب إعلان الاتفاق. كما ارتفع مؤشر برنت الرئيسي في البداية بحوالي 4% قبل أن يتراجع إلى ما يقرب من مستوى 75 دولار أمريكي الذي كان سائداً قبل الاجتماعات.

إن خلفية قرار رفع الإنتاج تتعلق بالطبع بموافقة منظمة أوبك على تجميد انتاجها بعد خفضه بمقدار 1.2 مليون برميل في اليوم من مستويات أكتوبر 2016 مع قيام العديد من الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك (روسيا في المقام الأول) بتخفيضات إضافية قدرها 600 ألف برميل في اليوم. كانت هذه التخفيضات مدفوعة بالبطء الذي ساد حينه في الطلب العالمي وكذلك بارتفاع إنتاج النفط الصخري الأمريكي الذي كان يقود إلى تخمة الإمداد وارتفاع المخزونات وتراجع الأسعار القياسية إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل.

وقد ساعد تنفيذ اتفاق تخفيض الإنتاج (والذي تم تمديده حتى منتصف عام 2018)خلال الـ 18 شهراً الأخيرة، ، على إعادة التوازن إلى سوق النفط. وتراجعت مخزونات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى مستوياتها السابقة وعادت الأسعار الفورية إلى ما فوق 70 دولاراً للبرميل. وفي الواقع، مع بلوغ سعر خام برنت مؤخراً إلى قريب من 80 دولاراً للبرميل، فإن هناك مخاطر بأن ترتفع الأسعار إلى مستويات قد تعيق الطلب العالمي وإحداث موجة من الإنفاق الرأسمالي العالمي التي قد تثير من جديد مخاطر انخفاض حاد في الأسعار على المدى الطويل. وعلى ذلك، فإن ما دفع لاتخاذ قرار أوبك بتخفيف القيود على الإنتاج هو الرغبة في إبقاء أسعار النفط مستقرة نسبياً بحدود المستويات الحالية، والتي هي قريبة من المستوى المثالي.

لكن بالرغم من أن اتفاق أوبك وروسيا قد لعب دوراً مؤكداً في إعادة سوق النفط إلى وضعه الصحي، إلا أنه لم يكن حاسماً. فخلال فترة الاتفاق، استمر إنتاج النفط الأمريكي في الارتفاع. وفي الواقع، ارتفع الإمداد الأمريكي منذ أكتوبر 2016 بمقدار 1.7 مليون برميل يومياً ليصل إلى أكثر من 10.4 مليون برميل يومياً. وهو ما يمثل زيادة تقارب 20 %.

وفي حين أن ديناميكيات المعروض تشير بوضوح لارتفاع الأسعار على المدى القصير ، إلا أن عدم اليقين بشأن توقعات الطلب آخذ في التزايد. وبينما لا توجد حالياً مؤشرات تذكر على تباطؤ النمو القوي في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، إلا أن زخم النمو في منطقة اليورو تراجع بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. وتوجد أيضاً أدلة واضحة على تباطؤ الاقتصاد الصيني، فالبيانات الأخيرة لمبيعات التجزئة والصناعة مخيبة للآمال. كما أن التهديد المتزايد بنشوب حرب تجارية يزيد من مخاطر الهبوط في الاقتصاد العالمي في عام 2019.

وكان بإمكان ارتفاع المعروض من النفط الأمريكي أن يلغي تماماً أي تأثير لاتفاق أوبك وروسيا على خفض الانتاج لولا أن هذه التخفيضات كانت في الواقع أعمق بكثير من ما كان مخططاً له. وبعيداً عن 1.8 مليون برميل التي تم الاتفاق على خفضها، بلغ مقدار الخفض الحقيقي في إنتاج المجموعة 2.3 مليون برميل في اليوم مقارنة بأكتوبر 2016. وكان العامل الرئيسي وراء "الالتزام الزائد" باتفاق خفض الإنتاج هو تراجع الإنتاج في فنزويلا بحوالي 700 ألف برميل في اليوم، أي بأكثر من 600 ألف برميل في اليوم من الاتفاق الذي التزمت به.

 

chart

وحتى مع التراجع غير المسبوق في إنتاج فنزويلا و"الالتزام الزائد" الذي نتج عن ذلك من مجموعة أوبك، لم تكن عوامل المعروض حاسمة في تعافي سوق النفط. بل كان ازدهار الطلب العالمي هو الدافع الرئيسي وراء ذلك. فمع اقتراب نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من تحقيق أكبر معدل له في السنوات السبع الأخيرة بما يقرب من 4% هذا العام، نما الطلب العالمي على النفط بمعدل سنوي قارب 1.4 مليون برميل في اليوم.

 

ويبدو أن رغبة أوبك وروسيا في زيادة الانتاج تعكس ثقتهم في استمرار على الأقل عاملين من العوامل الثلاثة، وهما: ازدهار الطلب العالمي على النفط وتراجع الإمداد. ومن المرجح جداً أن يتراجع إنتاج فنزويلا أكثر، مما قد يحدث ارتفاعاً في الأسعار الفورية بشكل يفوق مستوى 80 دولار للبرميل، ما لم يقم الأعضاء الآخرين في أوبك بضخ المزيد من النفط في الأسواق. وفي توقعاتها الأخيرة لعام 2019، حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الإنتاج في فنزويلا معرض لمزيد من التراجع بما قد يصل إلى 550 ألف برميل في اليوم.

الاحتمال الثاني لتعرض إمدادات أوبك لمزيد من التراجع يتمثل في تجدد العقوبات الأمريكية التي قد تحول دون وصول النفط الإيراني إلى السوق. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أيضاً أن الإنتاج الإيراني قد يتم كبحه بما قد يصل إلى 900 ألف برميل في اليوم استناداً إلى تأثير العقوبات السابقة. وبينما يتعين على الأرجح اعتبار تقديرات وكالة الطاقة الدولية بأنها أسوأ السيناريوهات، يبدو أن شبح تراجع الإمداد الذي يهدد فنزويلا وإيران كان حاسما في قرار أوبك برفع الإنتاج الإجمالي إلى المستوى المتفق عليه وإزالة المخاطر بارتفاع حالة "الالتزام الزائد".

وأخيراً، يبدو أن السمة المميزة الثالثة والأخيرة لأسواق النفط العالمية في السنوات الأخيرة ‒ وهي ازدهار معروض النفط الصخري الأمريكي ‒ ستظل سائدة، فأسعار التعادل لمنتجي النفط الصخري لا تزال تتحرك نحو 50 دولار للبرميل، وذلك أقل بكثير من الأسعار الآنية لخام غرب تكساس الوسيط. وتؤكد الزيادة في عدد الآبار المحفورة غير المكتملة خلال السنة الماضية على احتمال حدوث زيادات كبيرة في انتاج النفط الصخري.

ويعد حوض بيرميان في تكساس ونيو مكسيكو أكبر مساهم في زيادة المعروض ويتمتع بإمكانيات مستقبلية هائلة. ولكن في المدى القصير، تؤدي اختناقات الإنتاج، وعلى وجه التحديد نقص السعة الاستيعابية لخطوط الأنابيب، إلى الحد من تدفق الإنتاج من هذه المنطقة. ويوجد عدد من خطوط الأنابيب الجديدة قيد الإنشاء، لكن لا يُرجح حدوث زيادة كبيرة في قدرات نقل النفط من منطقة حوض بيرميان قبل النصف الثاني من عام 2019، وهو ما يشير إلى أن وصول الموجة التالية من معروض النفط الصخري الأمريكي للأسوق العالمية سيتأخر.

ولا تزال توقعات أسعار النفط تتسم بقدر كبير من عدم اليقين بسبب التأثير المجتمع لتراجع المعروض في المدى القصير، والطلب العالمي الآخذ في التراجع بالرغم من قوته حتى الآن، وازدهار المعروض الأمريكي. ويبدو أن القرار التاريخي الذي اتخذته منظمة أوبك بزيادة الإنتاج يركز على تراجع المعروض وتغفل مخاطر ارتفاع إنتاج النفط في المدى القصير. ولكن مع بعض التراجع في الطلب العالمي في الوقت الحالي وانفراج اختناقات الإمداد في حوض بيرميان مستقبلاً، فإن مخاطر هبوط الأسعار لا تزال تهيمن على الآفاق بعيدة المدى. وعليه، فإن توقعاتنا لأسعار النفط لا تزال تشير إلى أن متوسط سعر خام برنت سيبلغ 69 دولار للبرميل في 2018، وسيتراجع إلى 66 دولار للبرميل في 2019.