فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

مع قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة بزيادات مضطردة، فإن معظم الأسواق الناشئة عمدت إلى تشديد سياساتها النقدية رداً على ذلك. ولكن الاستثناء الملحوظ لهذا التوجه نحو التشديد من قبل الأسواق الناشئة هو الصين. فقد ظل بنك الصين المركزي- بنك الشعب الصيني- الذي لا يزال يدير العملة الصينية (اليوان) بقوة مقابل الدولار الأمريكي، يرفع سعر الفائدة على المدى القصير بزيادات صغيرة رداً على خطوات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ولكن بعد رفع بنك الاحتياطي لسعر الفائدة في المرة الأخيرة بمقدار 25 نقطة أساس في منتصف يونيو، فشل بنك الشعب الصيني بشكل واضح في أن يحذو حذوه.

وقد تعززت مؤشرات التيسير النقدي في الصين- والتي ساعدت على تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.4% في قيمة اليوان الصيني- بالأخبار القائلة بأن البنك المركزي الصيني سيخفض متطلبات الاحتياطي لمعظم البنوك بمقدار 50 نقطة أساس. وسيؤدي هذا الإجراء إلى ضخ مبلغ 700 مليار يوان صيني (حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي) من السيولة الإضافية في النظام المصرفي. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تخفيض سابق بنسبة 1% في متطلبات الاحتياطي في شهر أبريل. وبينما يمكن تفسير خطوة شهر أبريل جزئياً على الأقل كتعديل تقني (للتعويض عن خفض المخصص النقدي من مصادر أخرى)، فإن التخفيض الأخير لمتطلبات الاحتياطي للبنوك يشير بشكل أوضح إلى تخفيف متعمد للسياسة النقدية.

إن الخلفية التي تستند إليها خطوات التخفيف الأخيرة هي محاولات تحقيق التوازن الدقيق التي ظل صناع السياسة الصينيون يقومون بها خلال معظم العامين الماضيين. فبعد سنوات من النمو الاقتصادي الذي اعتمد على الديون وما يترتب على ذلك من تعريض الاستقرار المالي للمخاطر على المدى الأطول كلما طال أمده، حاولت السلطات كبح جماح النمو المفرط للقروض وخفض مستويات الديون.

في نفس الوقت، تدرك السلطات أنها لا تستطيع تشديد السياسة أكثر من اللازم لأجل التخلص من الديون في حالة تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل كبير . ولا يزال تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد عن 6 % ضرورة سياسية. وبالنظر إلى هذه الأهداف المتنافسة، بل وحتى المتناقضة، استخدمت السلطات الضوابط التنظيمية في معظم الأحوال في محاولتها لكبح أنشطة الإقراض خارج الميزانية العمومية أو "الظل". وبالاستمرار في التشديد على سيولة البنوك، فإن أسعار الفائدة في السوق قد ظلت ترتفع بالتدريج خلال معظم العامين الماضيين للمساعدة في إبطاء نمو الائتمان الكلي، ولكن ليس لإيقافه.

إن محاولة تحقيق هذا التوازن بشكل صحيح أمر في غاية التعقيد إن لم يكن شبه مستحيل. قليلة هي البلدان التي استطاعت التخلص من الديون بنجاح بعد طفرة ائتمانية استمرت لسنوات وتجنبت تراجعاً اقتصادياً مؤلماً. وتظهر آخر البيانات الصادرة من الصين مدى صعوبة هذه المهمة، وتفسر لماذا تبدو السلطات حالياً وكأنها تعكس المسار وتبدأ بتخفيف السياسة النقدية.

 

chart

من ناحية، لا يوجد أي شك بأن الصين قد بدأت تكسب أخيراً معركتها ضد النمو المفرط للائتمان. فقد انخفض اجمالي التمويل الاجتماعي، وهو أوسع مقياس لنمو الائتمان في الاقتصاد، في شهر مايو مع تقلص أنشطة بنوك الظل بحجم قياسي. ومن ناحية أخرى، تشير آخر البيانات حول الأنشطة الاقتصادية إلى حالة من الضعف المقلق، مما يبين أنه بقدر ما تظهر مؤشرات على نجاعة حملة التخلص من الديون، فإن تكلفتها الاقتصادية أصبحت مرتفعة للغاية بحيث لا يمكن تحملها! وسجل النمو في كل من قطاعي مبيعات التجزئة والاستثمار في الأصول الثابتة أبطأ وتيرة له منذ أكثر من 10 سنوات في شهر مايو. وبارتفاع لم يتجاوز 8.5% على أساس سنوي، يشكل الضعف في مبيعات التجزئة أكبر مصدر للقلق، مما يشير إلى تراجع الطلب الاستهلاكي القوي، وهو الدعامة الأساسية للاقتصاد.

وعلى نحو مقلق، بدأت تظهر هذه المؤشرات على تباطؤ الطلب المحلي قبل اشتعال الحرب التجارية القائمة بين الصين والولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الصيني يشهد عملية تحول إلى نموذج نمو قائم على الاستهلاك، فإن قطاع الصادرات لا يزال يلعب دوراً محورياً. وتحديداً، كان الطلب الخارجي هو المحرك الرئيسي للاقتصاد الصيني في 2017 حيث أضاف صافي التجارة 0.6 نقطة مئوية لنمو النتاج المحلي الإجمالي الذي بلغ 6.9% على أساس سنوي، وهي أكبر مساهمة للقطاع منذ الأزمة المالية العالمية. وبالتالي، فإن التهديد المتصاعد لقطاع الصادرات جراء الحرب التجارية مع الولايات المتحدة يزيد من تعقيد مهمة البنك المركزي الصيني في إعادة التوازن، مما يجعل الميزان يميل أكثر نحو الحاجة للحفاظ على النمو الاقتصادي.

ومع ظهور علامات واضحة على ضعف الاقتصاد في شهر مايو وانتشار غيوم الحرب التجارية في الأفق، ليس من المفاجئ أن يبدأ بنك الشعب الصيني في تغيير مساره وتبني سياسة نقدية متساهلة على الرغم من عدم انتهاء الحملة المتعلقة بالحد من الاستدانة. وكما هو متوقع، لا تزال السلطات متكتمة بشأن الحاجة لتسهيل السياسة النقدية، ولا يبدو أنهم مستعدون بعد – على الأقل من الناحية العلنية – للإعلان عن تغيير كبير في السياسة النقدية. لكن أسعار الفائدة في السوق تعطي مؤشرات واضحة على تغير السياسة. فقد تراجعت أسعار الفائدة بين البنوك لمدة ثلاثة أشهر بنحو 80 نقطة أساس منذ نهاية مارس، في حين تراجعت أسعار الفائدة لعقود مبادلة الائتمان، وهي مؤشر آخر على وضع السياسة النقدية، بنحو 45 نقطة أساس خلال نفس الفترة.

وسيعتمد الإجراء المهم الذي سيتخذه بنك الشعب الصيني خلال الأشهر القادمة على عاملين اثنين، الأول هو ما إذا كان تباطؤ الطلب المحلي، خاصة من جانب المستهلكين، سيزداد تفاقماً قبل بدء سريان مفعول التسهيل الأخير للسياسة النقدية. وستوفر بيانات مبيعات التجزئة لشهر يونيو، والتي ستصدر في 16 يوليو، معلومات محدثة في هذا الخصوص. والعامل الثاني هو، بالطبع، العامل المجهول الأساسي الذي يتمثل فيما إذا كانت الحرب التجارية الناشئة بين الصين والولايات المتحدة ستشهد تصعيداً كبيراً.

وبحسب توقعاتنا الرئيسية، فإن التغير التدريجي الراهن في موقف الصين تجاه السياسة النقدية سيستمر وسينجح في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي. كما نتوقع إقرار تخفيضات إضافية على متطلبات الاحتياطي لدعم السيولة في البنوك وأن يستمر بنك الشعب الصيني في الصمود في وجه أي زيادة مستقبلية لأسعار الفائدة الأمريكية. وينبغي لتدابير التسهيل المتواضعة هذه أن تتسبب في حدوث مزيد من الضعف في قيمة اليوان الصيني مقابل الدولار الأمريكي، لكنها لن تكون بمثابة تخفيض كبير لقيمة العملة.

ولكن في حال تحققت المخاطر الهبوطية التي تهدد الطلب المحلي وقطاع التصدير الصيني، فإنه سيتم وقتها التخلي بشكل قاطع عن حملة الحد من الاستدانة التي تقودها السلطات، وسيتم بسرعة تطبيق تسهيل أكبر للسياسة النقدية، وللسياسة المالية كذلك. وفي حين سينجح التسهيل الكبير للسياسة النقدية، بلا شك، في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي في المدى القصير، إلا أنه سيهدد بإضعاف اليوان الصيني والاستقرار المالي للصين على المدى الطويل، مع التخلي عن طموحات الحد من الاستدانة. وحتماً، يوجد قدر كبير من عدم اليقين، لكن الأمر المؤكد هو أن الصين، والتي كانت أحد عوامل استقرار الاقتصاد العالمي في الأعوام القليلة الماضية، تتحول بسرعة إلى عامل خطر رئيسي.