فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

بالرغم من أن اليابان قد فقدت مرتبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم لصالح الصين قبل بضع سنوات، إلا أنها تظل ذات أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي. أولاً، لا تزال اليابان تمثل نسبة كبيرة تبلغ 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم بحسب تعادل القوة الشرائية وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

ثانياً، تلعب الأسواق المالية اليابانية دوراً رئيسياً في الاقتصاد العالمي، حيث أن الين الياباني هو أحد العملات الرئيسية لاحتياطيات دول العالم. كما أن سوق السندات الحكومية اليابانية هي أكبر سوق للسندات السيادية العالمية على نحو يؤكد أن عائدات سندات الحكومة اليابانية تعمل كمؤشر رئيسي لأسعار الفائدة العالمية.

وأخيراً، ظلت اليابان لمدة طويلة إحدى الدول التي تتصدر التطورات العالمية في السياسة النقدية. وقد ظل بنك اليابان المركزي يكافح الانكماش لأكثر من عقدين من الزمان وكان أول بنك مركزي كبير يخفض أسعار الفائدة إلى الصفر ، وأيضاً أول بنك مركزي يعتمد سياسة التيسير الكمي: أي شراء الأوراق المالية الحكومية بمقادير ضخمة.

تحت قيادة المحافظ كورودا على مدى السنوات الخمس الماضية، استمر بنك اليابان في ابتكار مختلف الوسائل في محاولة منه لرفع معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلك الياباني إلى المستوى المستهدف البالغ 2%، لكنه فشل في ذلك حتى الآن. أولاً، قام البنك المركزي الياباني بتوجيه بعض عمليات شراء الأصول نحو شراء سندات صناديق الاستثمار المتداولة في السوق. ورغم أن البنوك المركزية الأخرى قد اشترت ديون الشركات، لم يخاطر أي بنك مركزي آخر إلى هذا الحد فيما يتعلق بشراء الأصول.

ثانياً، في تحرك آخر لم يسبق له مثيل لبنك مركزي في العصر الحديث، تبنى بنك اليابان ما يصفه بـ "التحكم في منحنى العائد" في صيف عام 2016. وبموجب سياسة التحكم في منحنى العائد، يستهدف بنك اليابان الآن تثبيت عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل عشر سنوات عند حدود 10 نقطة أساس من مستوى الصفر. ووفقاً لهذه السياسة، تم تثبيت سعر الفائدة قصير الأجل- أي سعر الإيداع لليلة واحدة الذي يتعين على البنوك دفعه مقابل احتياطياتها لدى بنك اليابان- عند - 10 نقطة أساس، وهو ما يعني في الواقع فرض "ضريبة" على البنوك مقابل فائض احتياطياتها.

تختلف سياسة التحكم في منحنى العائد اختلافاً مهماً من سياسة التيسير الكمي "التقليدية" التي تستهدف البنوك المركزية من خلالها لحجم معين من مشتريات الأصول من أجل الوصول إلى حجم معين من الميزانية العمومية للبنك المركزي. لكن في إطار سياسة التحكم في منحنى العائد، يستهدف بنك اليابان المركزي سعر السندات الحكومية اليابانية بحجم المشتريات (وبالتالي، الحجم المستقبلي للميزانية العمومية لبنك اليابان المركزي) المطلوب لربط تنوع العائدات لأجل 10 سنوات حسب ظروف السوق.

ولا يمكن وصف نجاح سياسة التحكم في منحنى العائد إلا بكونه نجاحاً متفاوتاً. ففي الجانب الإيجابي، نجح بنك اليابان المركزي في ربط عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات قريباً من الصفر خلال العامين الماضيين، مما قدم مرجعاً مهما لأسعار الفائدة العالمية. علاوة على ذلك، سمحت سياسة التحكم في منحنى العائد لبنك اليابان المركزي بتقليص مشترياته من السندات الحكومية اليابانية تدريجياً من مستوى الذروة الذي بلغ 80 ترليون ين ياباني سنوياً إلى حوالي 45 ترليون ين.

 

Chart AR

لكن في الجانب السلبي، ظل تضخم مؤشر أسعار المستهلكين أقل بكثير من مستوى 2% المستهدف. وتظهر آخر البيانات بأن التضخم الأساسي (باستثناء المواد الغذائية والطاقة) يسير بمعدل بطيء 0.2% على أساس سنوي في يونيو دون إعطاء مؤشرات عن التسارع رغم ضيق سوق العمل الياباني المعروف تاريخياً.

وكلما استمرت سياسة التحكم في منحنى العائد ، زادت المخاوف بشأن سلامة النظام المالي. فمع بطء نمو الائتمان في الاقتصاد الياباني، تظل الفوائد المتأتية من حيازة السندات الحكومية اليابانية المصدر الرئيسي لمداخيل البنوك التجارية. والعائدات القريبة من الصفر تؤثر على الدخل، في حين تزيد "ضريبة" 10 نقاط أساس الفعلية على ودائع البنوك لليلة واحدة لدى البنك المركزي في التأثير على ربحيتها.

بالاقتران مع عملية تطبيع السياسة النقدية المتقدمة للغاية التي يجريها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حالياً، كانت التكهنات قد تزايدت بأن بنك اليابان قد يعلن عن إنهاء سياسة التحكم في منحنى العائد بعد اجتماعه الأخير بشأن السياسات الذي عقد في 31 يوليو المنصرم. وقد ارتفعت سندات الحكومة اليابانية نحو سقف 10 نقطة أساس، مما أرغم بنك اليابان المركزي على زيادة المشتريات قصيرة الأجل للصمود أمام الضغوط. وامتد التأثير إلى بقية اقتصادات العالم، حيث أدت زيادة عائد سندات الحكومة اليابانية بواقع 5 نقطة أساس فقط إلى حدوث ارتفاع في عائدات سندات الخزانة الأمريكية.

وعلى ما يبدو، فإن بنك اليابان قد قضى على التوقعات بحدوث تحول رئيسي في السياسة النقدية من خلال الإبقاء على سعر الفائدة قصيرة الأجل عند -0.1%. ولكن الأهم من ذلك، هو أن هذه النسبة ستطبق على احتياطيات أقل للمساعدة في تخفيف أثر هذه السياسة على الأرباح طويلة الأجل للبنوك التجارية. كما تم الإبقاء على الركيزة الرئيسية لعملية التحكم في منحنى العائد – وهي النسبة المستهدفة صفر لعائد سندات الحكومة اليابانية لعشر سنوات – على الرغم من أن بنك اليابان أعلن أنه سيسمح الآن بتفاوتات في حدود ما يصل إلى 20 نقطة أساس.

ولكن لضمان أن لا تسيء الأسواق فهم هذه المرونة المتواضعة بشأن النسبة المستهدفة، أكد بنك اليابان أيضاً أنه يعتزم الإبقاء على أسعار الفائدة قصيرة وطويلة الأجل ثابتة عند المستويات الحالية "لفترة طويلة من الزمن". وبالإضافة إلى إجراء تخفيضات كبيرة لتوقعاته بشأن تضخم أسعار المستهلك، التي تشير الآن إلى أن التضخم لن يصل إلى 2% قبل حلول عام 2021 على أقرب تقدير، يأمل بنك اليابان الآن في القضاء على توقعات تطبيع السياسة النقدية والإشارة إلى أنه مستعد لخوض معركة أطول لمحاولة رفع التضخم إلى 2%. وتراجعت عقب ذلك الإعلان عائدات سندات الحكومة اليابانية مبدئياً وضعفت قيمة الين الياباني مقابل الدولار الأمريكي.

يبدو أن بالإمكان التوصل إلى استنتاجين رئيسيين من قرار بنك اليابان. أولاً، يبدو أن توجهات البنك المتطرفة للغاية فيما يتعلق بالسياسة النقدية ستستمر لبعض الوقت، ومن المستبعد أن يحدث تغير حقيقي قبل عام 2020 على الأقل. ونتيجةً لذلك، ستتباعد تدابير بنك اليابان تدريجياً عن تدابير سياسات نظرائه من البنوك المركزية (بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي)، حيث ستتجاوز تلك البنوك التدابير التي كانت قد وضعتها لفترة الأزمة. والنتيجة المنطقية ستكون ضعف الين الياباني. ثانياً، من المرجح أن يظل عائد سندات الحكومة اليابانية لعشر سنوات مثبتاً عند نسبة قريبة من الصفر في المستقبل المنظور، وهو ما سيساعد على وضع سقف لارتفاع عائدات السندات الأمريكية والأوروبية طويلة الأجل.