فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

كانت اقتصادات "نمور" آسيا الأصلية التي تميزت بسرعة معدلات النمو في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين هي هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية. ثم انتقلت الراية إلى جيل جديد من الدول ذات النمو المرتفع: تايلاند وإندونيسيا وماليزيا، ومؤخراً الهند. ولكن أحدث "نمور آسيا" هو فيتنام حيث تظهر أحدث البيانات أن اقتصادها ينطلق بقوة في عام 2018 مع بروزها كواحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.

تظهر مجموعة من المؤشرات ازدهار اقتصاد فيتنام. فقد ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.1 % على أساس سنوي في الأشهر الستة الأولى من عام 2018. وهو أسرع معدل نمو في اقتصادها الوطني منذ عام 2011. ويقود هذا الارتفاع في النمو قطاع التصنيع الذي ارتفع ناتجه بنسبة 13.1% على أساس سنوي في النصف الأول من العام. كما يلعب قطاع التشييد دوراً داعماً قوياً حيث زاد الناتج في هذا القطاع بنسبة 7.9% على أساس سنوي خلال نفس الفترة.

والدافع الآخر الذي يعادل طفرة التصنيع في الاقتصاد الفيتنامي هو الارتفاع الكبير في الصادرات. ورغم أن إحصائيات التجارة الشهرية قد تكون متقلبة للغاية، إلا أن أحدث البيانات تظهر ارتفاع صادرات السلع بنسبة تزيد عن 20% على أساس سنوي في النصف الأول من العام، بعد نمو تجاوز 17% في عام 2017 ككل.

كان نجاح قطاعي التصنيع والتصدير مدفوعاً بقدرة فيتنام على جذب تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعات مثل الملابس والأحذية، وقبل كل شيء، الإلكترونيات. ويقدر الآن، على سبيل المثال، أن هاتفاً واحداً من كل 10 هواتف ذكية في جميع أنحاء العالم يتم تصنيعه في فيتنام. وتظهر أحدث البيانات أن التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر في ازدهار أيضاً، حيث بلغت ما يقدر بـ 13 مليار دولار أمريكي في النصف الأول من 2018 بمعدل نمو سنوي قدره 11%. ولوضع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر هذه في السياق، فقد كان الناتج المحلي الإجمالي لفيتنام في عام 2017 حوالي 220 مليار دولار أمريكي وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن صندوق النقد الدولي.

إن النجاح الاقتصادي لفيتنام تجربة جدير ة بالاهتمام لأنه يأتي في وقت تكافح فيه العديد من الاقتصادات النامية لمضاهاة نجاح "النمور الآسيوية" السابقة والحفاظ على نمو اقتصادي سريع من خلال إحداث طفرة في التصنيع والتصدير. وعلى سبيل المثال، عانى قطاع الصادرات الهندي في السنوات الأخيرة على الرغم من ازدهار اقتصادها في قطاعات أخرى. وعلى النقيض من ذلك، شهدت فيتنام ارتفاعاً كبيراً في التجارة وصل إلى ما يقرب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، من حوالي 60% في عام 2005 و 75% في عام 2014.

 

Chart AR

إن أساس نجاح فيتنام واضح: معطيات ديمغرافية إيجابية وانخفاض معدلات الأجور. كما أن الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي للبلد يعتبران عاملين مساعدين. كما أن فيتنام قريبة من أكبر سلاسل التوريد العالمية، على الأخص فيما يخص الإلكترونيات التي ازدهرت في العقد الأخير.

لكن هذه العوامل ليست حكراً على فيتنام، لذلك فهي لا تفسر إلا جزءاً من قصة هذا النجاح. وتظهر الأبحاث التي قام بها مؤخراً معهد بروكينغز للفكر في الولايات المتحدة أن القدرة على البناء على هذه الأسس المتينة من خلال سياسات جيدة هي ما يميز فيتنام.

لعبت ثلاثة عوامل على وجه الخصوص دوراً حاسماً. أولاً، بينما لازال العديد في الغرب يشككون في منافع التجارة الحرة، تابعت فيتنام بحماس تحرير التجارة على أسس ثنائية ومتعددة الأطراف. وعلى سبيل المثال، عقدت فيتنام مؤخراً اتفاقية للتبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوربي يتم بموجبها إزالة جميع الرسوم الجمركية تقريباً بين الطرفين. وقد أدت اتفاقيات التجارة إلى خفض كبير للتعريفات الجمركية المفروضة على صادرتها، مما ساعد فيتنام على الاندماج في الاقتصاد العالمي ورفع وتيرة الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة إليها.

ثانياً، كان استثمار فيتنام في الرأسمال البشري والتعليم مثيراً للإعجاب، وساعد البلد على زيادة قدراته الديمغرافية. ومن العلامات البارزة على ذلك أن برنامج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخير لتقييم الطلاب الدوليين (PISA)، الذي يختبر طلاب المدارس الثانوية في الرياضيات والعلوم والمواد الأخرى، قد وضع فيتنام في المرتبة الثامنة من بين 72 دولة مشاركة، متفوقة على العديد من الاقتصادات الرائدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ثالثاً، ظل الاستثمار في رأس المال البشري مدعوماً بالتقدم المحرز في تحسين مناخ الأعمال في البلاد. فقد تقدمت فيتنام بثبات في مؤشر التنافسية الخاص بالمنتدى الاقتصادي العالمي وأيضاً في استطلاع سهولة ممارسة الأعمال الخاص بالبنك الدولي. وظل الاستثمار في البنية التحتية المادية، مثل توليد الطاقة وتشييد الطرق والجسور وزيادة الطاقة الاستيعابية لموانئ الحاويات، يلعب دوراً محورياً في دعم رأس المال البشري الغني لفيتنام.

وعلى الرغم من انجازاتها الاقتصادية الأخيرة الباهرة، لا تكتفي فيتنام بما حققته من نجاحات. فهذه النجاحات بطبيعتها تخلق جوانب ضعف وتحديات مستقبلية. وكما ذكرنا سابقاً، يتركز الاستثمار الأجنبي المباشر بدرجة عالية في قطاعي المنسوجات والإلكترونيات. والوظائف التي تخلقها هذه الاستثمارات تتطلب مهارات منخفضة وتقدم أجوراً متدنية، مع قيمة مضافة محدودة. وهذا يجعل فيتنام عرضة لمخاطر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين (إلى جانب الاقتصادات الآسيوية الأخرى المنخرطة في سلسلة التوريد العالمية الخاصة بصناعة الإلكترونيات، مثل تايوان وكوريا الجنوبية) في المدى القصير. وفي المدى البعيد، ستتلاشى بالضرورة الميزة التنافسية لفيتنام مع تحرك البلاد لأعلى في سلم التنمية وتحسن الأجور والظروف المعيشية.

سيتعين إيجاد محركات جديدة للتنمية الاقتصادية لضمان عدم تعرض أحدث "النمور الآسيوية" لمخاطر الانقراض في الأعوام القليلة المقبلة. وهناك أسباب واضحة تدعو للتفاؤل، حيث تشير النتائج العالية التي أحرزتها فيتنام في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة إلى أن البلاد ستكون قادرة على التحرك صعوداً في سلسلة القيمة العالمية على نحو أسهل من معظم الأسواق الناشئة الأخرى. كما يُتوقع أن يشهد قطاع الخدمات نمواً سريعاً، خاصة في السياحة، مما سيساعد في دفع النمو الاقتصادي على المدى البعيد. في الواقع، تشير آخر البيانات إلى أن نسبة توافد السياح قد ارتفعت بنحو 25% على أساس سنوي في شهر يونيو، مما يشير إلى أن محرك النمو هذا قد بدأ بالفعل في مساعدة البلاد على المضيّ قدماً في طريق الازدهار الاقتصادي.