فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

ما هي البلدان التي شهدت أسرع نمو اقتصادي، وبالتالي، حققت أكبر تحسن في مستويات المعيشة حتى الآن في هذا القرن؟ وبعبارة أخرى، أي البلدان تحقق أعلى قدر من التقدم في التنمية وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها، إن وجدت، من تجارب، هذه البلدان؟

يتيح لنا مؤشر آفاق الاقتصاد العالمي الخاص بصندوق النقد الدولي الإجابة على هذا السؤال بطريقة واضحة نسبياً. وللتوصل إلى الجواب، نأخذ تقديرات صندوق النقد الدولي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أي مع النمو السكاني في الاعتبار) ثم ننظر في النمو المتراكم منذ بداية الألفية الجديدة. والأهم من ذلك هو أن تحليلاتنا تقتصر فقط على الاقتصادات التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين أو أكثر.

بالتأكيد، تبرز الصين باعتبارها الاقتصاد الذي شهد أسرع ارتفاع مستدام في مستويات المعيشة حتى الآن خلال هذا القرن. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في الصين بمعدل يبلغ حوالي 8.7% سنوياً، مما حقق نمواً تراكمياً يزيد عن 300%. وبعبارة أخرى، فإن متوسط الدخل الحقيقي في الصين قد تضاعف أكثر من ثلاثة مرات حتى الآن خلال هذا القرن! وعندما نتذكر أن الصين قد حققت هذا الإنجاز بالرغم من ضخامة عدد سكانها البالغ أكثر من 1.3 مليار نسمة، يبدو الأمر أشد مدعاة للإعجاب.

في المقام الثاني، وربما الأكثر إثارة للدهشة، هي ميانمار التي بلغ متوسط النمو الحقيقي للفرد الواحد فيها نسبة 8.1%، وهو ما يعني أن ميانمار حققت تحسناً تراكمياً في مستوى المعيشة يزيد عن 275% حتى الآن خلال هذا القرن. وقد كانت ميانمار، التي ظلت معزولة عن الاقتصاد العالمي لعقود من الزمان، من بين الاقتصادات الأكثر فقراً في العالم في بداية القرن، حيث كان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد فيها نحو 1500 دولار. وعليه، فإن مسيرة التطور الاقتصادي لميانمار كانت هائلة منذ شروع البلاد في الاندماج ضمن الاقتصاد العالمي وبدء تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها مرة أخرى.

تمثل إثيوبيا التي تأتي بعد ميانمار ، في المرتبة الثالثة، في ترتيبنا قصة تطور اقتصادي مماثلة. ففي عام 2000، كانت إثيوبيا أكثر فقراً من ميانمار ، حيث كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها حوالي 650 دولاراً فقط، مما جعلها ثالث أفقر بلد في العالم. وتظهر بيانات البنك الدولي أن أكثر من نصف السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر العالمي.

ولذلك فإن صعود الاقتصاد الاثيوبي في السنوات الأخيرة كان معجزة. وكما هو الحال في ميانمار ، فإن الاستقرار السياسي، وانتهاء الحروب الأهلية التي طال أمدها، وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي كانت عوامل رئيسية في إحراز التقدم السريع في سلم التنمية، وإن كانت البداية من قاعدة منخفضة.

وتأتي بعد ذلك كل من كمبوديا والهند وأوزبكستان وفيتنام في ترتيب النمو رغم أنها أقل بكثير من الدول السابقة في متوسط معدلات نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هذه البلدان والبالغ أقل من 6% في العام. وتعتبر كازاخستان ورواندا (التي بالكاد دخلت ضمن هذه العينة من الدول بعدد سكان بحدود 11 مليون نسمة) وبنغلادش هي قوى النمو السريع الأخرى التي تكمل قائمة العشر الأوائل.

 

Chart AR

باستطلاع المستقبل، تشكل توقعات صندوق النقد الدولي للمدى المتوسط تصوراً جيداً بشأن الاقتصادات التي ستشهد أكبر قدر من التنمية خلال السنوات الست القادمة. والتغيير الرئيسي هو التباطؤ الذي لا محيد عنه في نمو مستويات العيش في الصين. فبعد استمرار النمو السريع في العقود الأخيرة، تجد الصين نفسها حالياً مقيدة بشدة في نطاق الدخل المتوسط، مما يجعل الحفاظ على نمو سريع أمراً أصعب فأصعب. وقليلة هي الاقتصادات ذات الدخل المتوسط التي استطاعت الحفاظ على نمو متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عند معدل 4.7% الذي يتوقع صندوق النقد الدولي أن تواصل الصين تحقيقه خلال السنوات الست القادمة.

وبعد سيطرتها خلال الـ 18 سنة الأولى من هذا القرن، توحي توقعات صندوق النقد الدولي أن الصين ستتراجع إلى المرتبة الخامسة في ترتيب النمو (أنظر الرسم البياني). في مقابل ذلك، من المتوقع أن تتولى ميانمار موقع الريادة، متبوعة بفارق بسيط بالهند التي تأكدت مؤخراً نهضتها التنموية. وتظل إثيوبيا في المركز الثالث، وباستثناء رواندا، فهي الممثل الوحيد للقارة الأفريقية.

ويتمثل التطور الرئيسي الآخر في صعود بنغلادش إلى المركز الرابع في الترتيب. وأخيراً، فيتنام في المرتبة السادسة والتي من المنتظر أيضاً أن تشهد استمراراً في النمو القوي. كما تظل التوقعات جيدة بشأن كمبوديا بينما يتوقع للفلبين أيضاً أن تبرز كواحدة من اقتصادات العالم ذات النمو السريع المتواصل.

ومع التباطؤ الحتمي الذي سيلحق بوتيرة التنمية المستقبلية في الصين قياساً بنجاها في الماضي، فإن الاستنتاج الرئيسي من توقعات صندوق النقد الدولي هي أن منطقة جنوب آسيا، أي الهند وميانمار وبنغلادش، هي التي تبرز حالياً كأكثر منطقة مفعمة بالحيوية اقتصادياً في العالم. 

ربما المفاجأة هي أن إثيوبيا، باستثناء رواندا الصغيرة، ستبقى هي بطل النمو الوحيد في أفريقيا. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن تكاليف العمالة عالية بشكل مثير للدهشة في غالبية الاقتصادات الأفريقية. وقد أظهرت دراسة حديثة بأن تكلفة العمالة لكل عامل كيني تبلغ 2,118 دولار مقارنة ببنغلاديش التي تبلغ فيها تكلفة العامل 835 دولاراً. وعلى النقيض من ذلك، تعتبر إثيوبيا واحدة من الدول الأفريقية القليلة التي تصل تكاليف العمالة فيها (909 دولاراً) قريبة من بنغلاديش، وهو ما يساعد على تفسير نجاحها الأخير في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات رئيسية مولدة للوظائف مثل المنسوجات والأحذية.

يبدو أن إثيوبيا، بحجمها السكاني الهائل (تتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع عدد سكانها إلى 190 مليون نسمة بحلول عام 2050 من حوالي 100 مليون حالياً) ومع اتفاق السلام الأخير مع جارتها إريتريا والذي من شأنه أن يعزز الاستقرار السياسي، لها فرصة حقيقة لتصبح "الصين الأفريقية" على مدى السنوات الـ 10- 20 القادمة واللحاق بأبطال النمو في جنوب آسيا.