فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

بعد الركود الذي استمر لأكثر من أربعة أعوام، انتعشت أحجام التجارة العالمية بشكل قوي خلال العامين الماضيين. في الواقع، وفقاً لبيانات صادرة عن المكتب الهولندي لتحليل السياسات الاقتصادية (CPB)، وهو أحد الوكالات الرائدة في مجال مراقبة التجارة العالمية، ارتفع متوسط النمو السنوي في أحجام التجارة العالمية لثلاثة أشهر من 2.1% خلال الفترة أبريل 2012 ‒ أبريل 2016 إلى 5.2% في يناير 2018، ثم تراجع إلى 3.7% في شهر يونيو.

وهناك سببان رئيسيان وراء هذا التعافي. أولاً، تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن النمو العالمي قفز من 3.5% على أساس سنوي في الفترة 2012‒2016 إلى 3.8% في عام 2017 بقدر من التزامن الذي لم يُشاهد منذ عام 2010.

وفي عام 2017، ارتفعت معدلات النمو في منطقة اليورو واليابان إلى 2.3% و1.7% من المعدلات المتدنية التي بلغت 0.8% و1.2% بين عامي 2012 و2016. وعاد الزخم للاقتصاد الأمريكي الذي نما بنسبة 2.3% بعد أن عانى قطاعه الصناعي من ركود طفيف في الفترة 2015‒2016، في حين تمكنت الأسواق الناشئة من تحقيق نمو أسرع بلغت نسبته 4.8%. واستطاعت الصين أن تلجم هروب رؤوس الأموال وأن تتفادى حدوث تباطؤ أكبر أو موجات من التخفيض غير المنتظم لقيمة العملة.

ثانياً، انتعشت أيضاً أسعار السلع بعد التراجع الذي شهدته بين 2014‒2016. ووفقاً للبنك الدولي، تراجعت أسعار سلع الطاقة وأسعار السلع غير المرتبطة بالطاقة بنسبة 69% و25% على التوالي خلال الفترة من يونيو 2014 إلى يناير 2016. ولاحقاً، نمت بنسبة 123% و12% خلال مدة 32 شهراً حتى أغسطس 2018، وهذا أمر بالغ الأهمية لأحجام التجارة العالمية، فالسلع هي إحدى أكبر فئات الأصول القابلة للتداول التجاري وأكثرها تقلباً.

لكن بدأت مؤشرات ومقاييس دورية هامة لنمو التجارة في التراجع مؤخراً، حيث تباطأ متوسط النمو السنوي في أحجام التجارة العالمية لثلاثة أشهر بواقع 150 نقطة أساس في الفترة من يناير إلى يونيو 2018. وتؤكد أحجام البضائع في الموانئ الرئيسية هذا التباطؤ. وفي ذات السياق، يُظهر مؤشر مدراء مشتريات القطاع الصناعي العالمي أن طلبات الاستيراد الجديدة بلغت ذروتها في بداية عام 2018 وبدأت تتراجع حالياً.

 

AR Chart
 

ن تباطؤ التجارة العالمية يعد مفاجئاً إلى حد ما، حيث لا تزال أسعار السلع قوية ويشير إجماع التوقعات أن العالم يتجه لتحقيق نمو قوي بمعدل 3.7% في 2018، وهو أقوى أداء له منذ عام 2011. فالاقتصاد الأمريكي يسير بأقصى سرعة، حيث ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني إلى 4.2% على أساس سنوي وتظهر المؤشرات الشهرية أن النمو سيستمر بوتيرة مشابهة في الربع الثالث. وتبدو حالة التفاؤل في القطاع الخاص مرتفعة جداً حيث اقتربت أو بلغت الاستبيانات الرئيسية مثل استبيان معهد إدارة الإمدادات (ISM) ومؤشر ثقة الأعمال الصغيرة مستويات مرتفعة قياسية خلال الشهر الماضي.

وعلى الرغم من أن ارتفاع الخلافات التجارية قد يؤدي إلى فرض تعريفات جمركية جديدة تؤثر على أحجام التجارة مستقبلاً، فإنها حصتها من التجارة العالمية تظل هامشية. وبحسب وكالة كابيتال إكونوميكس، فإن حوالي 1% فقط من التجارة العالمية تأثر بالتعريفات الجمركية الجديدة حتى الآن، وأن التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين تشكل 3.2% فقط من الصادرات العالمية.

ويبدو أن تباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة غير الولايات المتحدة وفي الصين هو السبب وراء ضعف التجارة. وتراجع إجماع التوقعات بشأن منطقة اليورو واليابان في 2018 من 2.4% إلى 2.1% ومن 1.4% إلى 1% على التوالي منذ شهر أبريل. وعلى نفس المنوال، تراجع إجماع التوقعات حول النمو في الأسواق الناشئة في 2018 بمقدار 24 نقطة أساس.

وبالتحديد، انخفض النمو في الصين مع استهداف إجراءات التشديد المالي من قبل الجهات الرقابية لبنوك الظل وما نتج عنه من تباطؤ في نمو الائتمان. وتشير آخر البيانات بشأن الأنشطة الاقتصادية إلى أن نمو مبيعات التجزئة والاستثمار في الأصول الثابتة سجل أبطأ معدل له في أكثر من عقد خلال الأشهر القليلة الماضية.

مستقبلاً، من المحتمل أن يحدث مزيد من التباطؤ في التجارة العالمية. ففي الجانب السلبي، من المتوقع أن تنخفض الأنشطة الاقتصادية في منطقة اليورو واليابان حيث يشير إجماع التوقعات إلى نمو بنسبة 1.8% و1% على التوالي في 2019.

في الولايات المتحدة، من شأن مسار التشديد النقدي أن يؤدي إلى تباطؤ النمو إلى حوالي 2.5% في العام القادم، أي أعلى من المعدل المحتمل للناتج المحلي الإجمالي والذي يقدر بحوالي 2%. وللتعامل مع ذلك، قد يضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى الرفع من وتيرة تشديد السياسة النقدية. وبالتالي، قد تكون البنوك المركزية في الأسواق الناشئة مضطرة لرفع أسعار الفائدة من أجل الحد من هروب رؤوس الأموال والضغوطات على أسعار صرف العملات، وهو ما يقيد النمو. وأخيراً، تبدو التوترات بين الولايات المتحدة والصين معرضة للتصعيد بشكل واضح.

وفي الجانب الإيجابي، من المتوقع أن تحافظ الصين على معدل نمو يعادل أو يفوق 6% مع تخفيف السياسات المالية والنقدية وإعطاء السلطات الأولوية للنمو على تقليص المديونية المالية. ورغم المعيقات المرتبطة باشتداد وضع السيولة الخاصة بالدولار الأمريكي وارتفاع قيمة هذا الأخير، فإن الأسواق الناشئة بشكل عام تعتبر أيضاً في وضع جيد ومن المتوقع أن تشهد نمواً بنسبة 5% في 2019.

وباختصار، كانت معدلات التجارة العالمية انعكاساً واضحاً للنمو العالمي الكلي، وهي ظاهرة تتغير حالياً نتيجةً للانخفاض الأخير بسبب تباطؤ الأنشطة الاقتصادية خارج الولايات المتحدة. لكن، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بمعدل صحي يبلغ 3.6% في 2019. وفي غياب صدمات كبيرة، من شأن ذلك في نهاية المطاف أن يدعم ارتفاع نمو التجارة العالمية نسبياً لكن بمعدلات أبطأ.