فرنسا  | English

مكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

يعتبر الحساب الجاري من المفاهيم الرئيسية في تحليل الاقتصاد الكلي. فهو يمثل ميزان الصادرات والواردات من السلع والخدمات المنتجة في الزمن الحاضر، وتدفقات الدخل من وإلى المقيمين الأجانب. وعلى ذلك فإن ميزان الحساب الجاري يوضح إلى أي مدى يقوم بلد ما بمراكمة أصول أجنبية أو إصدار مطلوبات أجنبية، أي ما إذا كان البلد المعني من الدول المقترضة أو المقرضة لبقية العالم.

وفي العادة، تهيمن التجارة في السلع والخدمات على ميزان الحساب الجاري، ولكنه يشمل أيضاً ما يُعرف بالدخل "الرئيسي والثانوي". وفي حين أن الدخل الرئيسي يقوده - في الأغلب - الدخل القادم من الاستثمار، تأتي التحويلات المالية من العمال المقيمين في الخارج في مقدمة مكونات الدخل الثانوي.

تمثل كل من إندونيسيا وتايلاند وماليزيا والفلبين وفيتنام - ويشار إليها باسم "آسيان-5" - صوراً متباينة من حيث أوضاع حساباتها الجارية.

تعد تايلاند وماليزيا وفيتنام مقرضين ثابتين لبقية العالم. في عام 2017، بلغت فوائض حساباتهم الجارية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 10.8% و 3.0% و 4.1% على التوالي.

وقد جاء فائض تايلند الكبير نتيجة لأربعة أعوام من التحسينات في الحسابات الخارجية. وبلغ فائض الحساب الجاري في ماليزيا المستوى الذي وصل إليه مؤخراً بعد انخفاض تدريجي منذ ذروة ما بعد أزمة ليمان براذرز التي بلغت 10.9 % في عام 2011. وبدأت فيتنام في تحقيق الفوائض الحالية في الحساب الجاري في تاريخ أكثر قرباً في عام 2011، مع ظهور ثمار الإصلاحات الهيكلية مثل الانفتاح التجاري وتحرير الملكية الأجنبية.

اعتادت الفلبين أن تحقق فائضاً، غير أن ميزان الحساب الجاري تحول تحولاً طفيفاً إلى المنطقة السلبية منذ عام 2015. وفي عام 2017، بلغ عجز الحساب الجاري 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وتتمتع الفلبين بهيكل حساب جاري غير عادي، حيث غالباً ما يقترن عجز تجاري كبير بتدفقات كبيرة من التحويلات المالية من الأعداد الضخمة من الفلبينيين العاملين في الخارج. وفي حين أن التحويلات خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كانت دائماً تنمو أسرع من العجز التجاري، أدى تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى تغيير هذا الواقع تماماً منذ عام 2013.

مع عجز يصل إلى 1.7 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، تعدّ إندونيسيا هي الدولة الوحيدة التي تعاني من عجز مستمر في الحساب الجاري ضمن دول آسيان-5. وقد أصبحت دولة مقترضة في عام 2011 عندما تحولت صادراتها النفطية إلى رقم سلبي على خلفية الانخفاض العالمي في الطاقة الإنتاجية للنفط الخام.

وعلى الرغم من تبايناتها، فقد شهدت جميع بلدان مجموعة آسيان الخمسة، ما عدا فيتنام، تدهوراً في حساباتها الجارية خلال الفصول الأخيرة. وكان الميزان التجاري العامل الرئيسي وراء هذا التراجع حتماً. فبينما استفادت الصادرات من انتعاش التجارة العالمية، حيث ارتفعت بنسبة 43% من التراجع الذي شهدته في يناير 2016، شهدت الواردات نمواً قوياً، حيث ارتفعت بنسبة 47% خلال نفس الفترة.

 

Chart

 

وهناك ثلاثة عوامل مشتركة وراء هذا الاتجاه. أولاً، فإن مجموع النمو المرجح للناتج المحلي الإجمالي شهد أسرع ارتفاع له منذ أربع سنوات في الفصول الأخيرة. فقد ارتفع النمو إلى 5.5% على أساس سنوي في الربع الاول من 2018 قبل أن يتباطأ قليلاً إلى 5.3% في الربع الثاني. ويؤدي ارتفاع النشاط الاقتصادي إلى تحفيز النمو بشكل طبيعي، وهو مرتبط بمستوى الطلب.

ثانياً، تعتبر دول آسيان الخمسة مستوردين كبار للنفط الخام. فباستثناء ماليزيا، تعتمد الدول الأربعة الأخرى بشكل كبير على استيراد النفط. في الواقع، ساء الوضع النفطي في المنطقة بشكل كبير خلال السنوات الثمان الأخيرة. فخلال هذه الفترة، تحولت إندونيسيا وفيتنام من مصدرين إلى مستوردين للنفط. وبالتالي، يظل الميزان التجاري لبلدان الآسيان معرضاً للتأثر بارتفاع أسعار النفط.

وقد شكل تعافي أسعار النفط عامل تراجع رئيسي للميزان التجاري. بلغ متوسط أسعار خام برنت 44 دولار للبرميل في 2016 و55 دولار في 2017 و71 دولار في النصف الأول من 2018. ويشير تخطي أسعار خام برنت لحاجز 80 دولار للبرميل مؤخراً إلى ارتفاع الفواتير النفطية خلال الأشهر القليلة القادمة.

ثالثا، بدأت موجة جديدة من برامج الإنفاق الرأسمالي في الفلبين وإندونيسيا وتايلند. وتتطلب الاستثمارات في البنية التحتية وبعض الأصول الثابتة واردات مرتفعة، مما يعني أن طفرة الإنفاق الرأسمالي تؤدي إلى ارتفاع في واردات مدخلات الإنتاج.

وعلى الرغم من أن تدهور الموازين التجارية على المراكز الإجمالية للحسابات الجارية، استمرت تايلند وماليزيا في تحقيق فوائض ضخمة بلغت 9.5 مليار دولار أمريكي و1.8 مليار دولار أمريكي على التوالي في الربع الثاني مع عام 2018. وبالنسبة لفيتنام، تتوفر بيانات عن الربع الأول فقط، وتم خلاله تسجيل فائض بلغ 3.4 مليار دولار أمريكي.

وعلى نحو غير مفاجئ، كانت اقتصادات آسيان التي تتمتع بفوائض أقل تأثراً بالضغوط الأخيرة على عملات الأسواق الناشئة. وتفوقت جميع عملاتها على أداء مؤشر جي بي مورغان لعملات الأسواق الناشئة (EMCI)، الذي يرصد تحركات 10 عملات رئيسية من عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار الأمريكي. وفي السنة الحالية حتى تاريخه، تراجع هذا المؤشر بنسبة 11.1%، في حين ارتفع البات التايلندي بنسبة 0.6% وانخفض الرينغيت الماليزي بنسبة 2.8% مقابل الدولار الأمريكي. وتراجعت قيمة الدونغ الفيتنامي، الذي لا يعد عملة ذات سعر صرف معوم، بنسبة ضئيلة بلغت 2.0% حتى الآن في العام الحالي.

وعلى النقيض من ذلك، تعرضت عملات الدول التي تعاني من العجز - وهي إندونيسيا والفلبين - لضغوط أكبر، حيث تراجعت الروبية الإندونيسية والبيزو الفلبيني بنسبة 8.4% و7.6% على التوالي مقابل الدولار الأمريكي.

لكن في الفلبين، لا يزال عجز الحساب الجاري متواضعاً، مما يشير إلى أنه لن تكون هناك مشاكل كبيرة فيما يتعلق بالتمويل في المدى المتوسط.

وتعتبر إندونيسيا الاقتصاد الأكثر عرضة للتغيرات المفاجئة في تدفقات السيولة ورؤوس الأموال العالمية من بين دول آسيان، فقد قام بنك إندونيسيا المركزي باتخاذ ما أسماه محافظه بنهج "وقائي ومبكر واستباقي"، حيث تم رفع سعر الفائدة بواقع 150 نقطة أساس حتى الآن في العام الحالي، ومن المتوقع أن يتم رفعه أكثر، وذلك من شأنه أن يساعد في الحد من التدفقات الاستثمارية الخارجة، خاصة من أسواق السندات. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت الحكومة عن العديد من التدابير لزيادة الإيرادات الخارجية وتقليص الواردات، بما في ذلك رفع السقف المفروض على إنتاج الفحم، واتباع نهج محدد الأهداف فيما يتعلق بالإنفاق على البنية التحتية، وتسريع خطط خلط الديزل الحيوي المحلي مع الوقود، وفرض تعرفة بنسبة 7.5% على 500 سلعة استهلاكية مختلفة.

وباختصار، فإن موازين الحسابات الجارية في دول آسيان-5 تتدهور، لكن الحسابات الخارجية سليمة بشكل عام، باستثناء إندونيسيا، لذلك كثفت السلطات الاقتصادية في جاكرتا من نشاطاها لتحديد العجز المستهدف في الأرباع القادمة.