فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و  English

مع تجاوز أسعار النفط لحاجز 80 دولار للبرميل خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت الأسواق والمحللون سلفاً في تقييم مدى تأثر البلدان المختلفة بهذه الزيادة في الأسعار. يركز تحليلنا على تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصادات الآسيوية الرئيسية المتمثلة في الصين والهند وإندونيسيا وكوريا وماليزيا والفلبين وتايوان وتايلاند.

وبصفتها المصدر الكبير الوحيد للنفط في آسيا، يتوقع أن تستفيد ماليزيا من مكاسب النفط، فهي تتمتع بفائض يبلغ حوالي 140 ألف برميل في اليوم وبميزان تجاري إيجابي للنفط الخام يبلغ حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولكن زيادة عائدات التصدير من النفط الخام لا تعدّ تغيراً كبيراً بالنسبة لماليزيا، فهي تمتلك سلفاً فوائض هيكلية في الحساب الجاري. ومع ذلك، تعتبر عائدات النفط عنصراً رئيسياً للوضع المالي للبلد. ووفقاً للسلطات الاقتصادية الماليزية، فإن كل زيادة في أسعار النفط بمقدار دولار أمريكي واحد في سعر البرميل تضيف حوالي 72 مليون دولار أمريكي إلى الإيرادات الحكومية. وهذا مصدر هام للدعم المالي للحكومة الإصلاحية المنتخبة حديثًا، خاصة وأن المالية الحكومية تتعرض لضغوط بسبب الإلغاء الأخير لضريبة السلع والمبيعات ومع توقعات ارتفاع الدين العام. وقد أدت الإجراءات الحكومية لزيادة الشفافية في القطاع العام إلى تعديل كبير لتوقعات الدين العام حيث تم رفعها من 54% إلى 75% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن ثم، فإن إيرادات النفط الإضافية تشكل دفعة مهمة للموازنات المالية لماليزيا.

تواجه اندونيسيا تحديات محدودة عندما يتعلق الأمر بأسعار النفط. ففي حين أن ارتفاع أسعار النفط يعزز العائدات ويدعم الوضع المالي الحكومي، فإن الاستهلاك الخاص والاستثمار يتأثران سلباً. ورغم الإنتاج المحلي لحوالي 800 ألف برميل في اليوم من النفط الخام، أصبحت إندونيسيا مستورداً رئيسياً للنفط في العام الماضي. ويشكل العجز الذي يبلغ تقريباً 190 ألف برميل في اليوم ميزاناً سلبياً صغيراً للنفط الخام بنسبة 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى هذا النحو، فإن ارتفاع أسعار النفط يزيد من العجز الكلي في الحساب الجاري لإندونيسيا ويسهم في تصاعد الضغوط الخارجية التي تواجهها البلاد. وأمام هذا الوضع، تحاول الحكومة الحد من ارتفاع الواردات النفطية بالإعلان عن خطط لخلط الوقود الحيوي المنتج محليا مع البنزين.

والأهم من ذلك، فإن انخفاض قيمة الروبية بنسبة 7.9% حتى الآن في عام 2018 يساهم في زيادة التأثير الإيجابي لارتفاع أسعار النفط في الموازنات المالية وتأثيره السلبي في الاقتصاد الخاص، مع ارتفاع العائدات بالعملة المحلية وارتفاع أسعار الوقود المحلية.

وسيكون الميزان التجاري للنفط لكل من الصين وتايوان وتايلاند وكوريا في وضع سلبي، يتراوح بين 1.5% و4.4% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن فوائض الحساب الجاري الكبيرة والقريبة من 10% من الناتج المحلي الإجمالي تجعل تايوان وتايلاند وكوريا في وضع قوي جداً لمواجهة ذلك، بينما الصين مدعومة بفائض إيجابي للحساب الجاري يقارب 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي على ذلك ليست معرضة لتأثير كبير.

 

 

chart 

ويعتبر التأثير المشترك لعجز الحساب الجاري وصافي المراكز النفطية السلبية للغاية تحدياً متزايداً للفلبين والهند. فارتفاع تكاليف النفط يزيد من عجز الحساب الجاري ويفاقم المتغيرات الخارجية مثل الضغوطات المرتبطة بأسعار الصرف الأجنبي. وفي الفلبين، يمثل العجز التجاري للنفط الذي يبلغ 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي كامل حجم العجز في الحساب الجاري للبلاد. لكن عدم وجود إعانات كبيرة يحدّ من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الموازين المالية، وهو ما يجعل تأثيره يتركز في القطاع الخاص. وأدى تراجع البيزو الفلبيني بنسبة 6.7% في السنة حتى تاريخه أمام الدولار الأمريكي إلى زيادة هذا التأثير السلبي لارتفاع أسعار النفط على الإنفاق المتاح للقطاع الخاص.

كما أن ارتفاع درجة تأثر أسعار الوقود المحلية في الفلبين بأسعار النفط العالمية يساهم أيضاً في ارتفاع التضخم الكلي. ففي سبتمبر 2018، ارتفع التضخم في مؤشر أسعار المستهلك إلى أعلى مستوى له في عشر سنوات، إذ بلغ 6.3% على أساس سنوي، متجاوزاً النسبة المستهدفة من قبل البنك المركزي بواقع 330 نقطة أساس. ولمعالجة هذا الأمر والمساعدة في الحد من هروب رؤوس الأموال، قام البنك المركزي الفلبيني بزيادة سعر الفائدة بواقع 150 نقطة أساس حتى الآن في العام الحالي.

وعلى غرار الفلبين، فإن العجز التجاري للنفط مرتفع في الهند ، حيث يبلغ 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل تقريباً إجمالي حجم عجز الحساب الجاري للهند. لكن ارتفاع إعانات الوقود في الهند أدى إلى تكبد القطاع العام العريض لخسائر كبيرة. ووفقاً لوكالة موديز، يُتوقع أن تتراوح تكلفة إعانات الوقود بين 4.6 مليار و7.2 مليار دولار أمريكي في عام 2018، مقابل ميزانية مبدئية تبلغ 3.3 مليار دولار.

مع تركيز الدعم الحكومي على غاز البترول المسال والكيروسين، لا يزال جزء من القطاع الخاص يتأثر بارتفاع أسعار الوقود المحلية. كما يلعب انخفاض قيمة العملات دوراً كبيراً هنا. فقد انخفضت الروبية الهندية بنسبة 10.3% مقابل الدولار الأمريكي حتى الآن هذا العام، وساهم ذلك في دفع التضخم الرئيسي إلى أعلى نقطة في المستوى المستهدف من قبل البنك المركزي، وهو ما يدعم رفع بنك الاحتياطي الهندي لسعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس لاحتواء الضغط الخارجي المتزايد.

باختصار، يعدّ ارتفاع أسعار النفط أمراً إيجابياً بالنسبة لماليزيا. كما أن فوائض الحساب الجاري تشكل حماية بالنسبة للصين وتايوان وتايلاند وكوريا، في حين تواجه كل من إندونيسيا والفلبين والهند مزيداً من التحديات جرّاء زيادة تكلفة النفط.