فرنسا  | English

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English

في تطور عالمي رئيسي، ارتفعت عائدات السندات الحكومية الأمريكية طويلة الأجل خلال الأسابيع الأخيرة. فقد زاد العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بحوالي 40 نقطة أساس منذ أواخر أغسطس، وبذلك اخترقت العائدات بشكل حاسم مستوى الحاجز النفسي 3%. وفي الواقع، كانت العوائد على السندات لأجل 10 سنوات تحوم حول 3.21% في وقت كتابة هذا التقرير.

ما الذي يدعم هذه التحركات؟ إن أبسط طريقة لتحليل ومعرفة عائدات السندات طويلة الأجل هي تقسيمها إلى معدل التضخم المتوقع الذي من المعتقد أن يسود على مدى عمر السندات، والعائد "الحقيقي" المتبقي الذي يمثل العائد الفعلي "المعدّل بالتضخم" الذي يطلبه حملة السندات. وترتبط العائدات الحقيقية على المدى الطويل ارتباطاً وثيقاً بالأداء الفعلي للاقتصاد أو جانب الانتاج منه. وعلى الرغم من أن هذين العاملين لا يتحركان بانسجام، فإن العائد الحقيقي طويل الأجل يرتبط في العادة ارتباطاً وثيقاً بتقديرات وتصورات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي المستديم للاقتصاد على المدى الطويل.

وحيث أن الخزانة الأمريكية تصدر ما يسمى بالسندات المرتبطة بالمؤشر أو السندات المحمية من التضخم، يمكن بشكل مباشر متابعة توقعات السوق لمستوى تضخم السندات لمدة 10 سنوات أو معدل "التعادل". والأمر الأهم من ذلك هو أن توقعات التضخم لم تتراجع إلا بالكاد منذ أواخر أغسطس، حيث ارتفعت بنسبة 4 نقطة أساس فقط. وبما أن هذه التوقعات الآن عند مستوى 2.15% تقريباً، فإنها متسقة إجمالاً مع معدل التضخم 2% المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي على المدى الطويل.

وعلى ذلك، من الواضح أن ارتفاع عائدات السندات لم يكن مدفوعاً بـ"صدمة" أو "مخاوف" متعلقة بالتضخم. وينسجم هذا مع بيانات التضخم الأخيرة التي أكدت أن معدل "التضخم الأساسي" (وهو المقياس المفضل لبنك الاحتياطي الفدرالي)، أو التضخم الاستهلاكي الأساسي، ظل ثابتاً عند نسبة 2% تقريباً. ومن المهم الإشارة إلى أن تفاصيل المداولات التي تم إصدارها مؤخراً بعد آخر مراجعة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي لسياسة سعر الفائدة قد أظهرت أن المكلفين بتحديد أسعار الفائدة في البنك المركزي قد تعهدوا بالاستمرار في دفع أسعار الفائدة إلى أعلى على المدى القصير من أجل الحفاظ على استقرار التضخم عند حدود 2% تقريباً.

وبالتالي، فإن ارتفاع عائدات السندات، بتركيبتها، قد كان ظاهرة "حقيقية" تقريباً. ويمكن رصد ثلاثة عوامل مترابطة كانت وراء الارتفاع الحاد بما يفوق 35 نقطة أساس مؤخراً في الأرباح الحقيقية. يكمن العامل الأول في استمرار أداء النمو الاستثنائي للاقتصاد الأمريكي. فبعد ازدهار نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 4.2 في الربع الثاني، تشير جميع المعطيات إلى تحقيق نمو سريع على نحو مشابه في الربع الثالث. وبالنظر إلى الزخم الحالي، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة لعام 2018 ككل قد يتجاوز 3% بسهولة.

ثانيا, تؤدي التخفيضات الضريبية التي قدمتها إدارة ترامب وموقفها المالي المخفف إلى تعزيز الزخم القوي الحالي في الاقتصاد وأيضا تعمل على رفع العائدات الحقيقية للسندات. وقد أظهرت العديد من الدراسات على نحو متسق أن زيادة نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بنقطة مئوية واحدة تضيف حوالي 3 نقاط أساس إلى عائدات السندات طويلة الأجل. ومع التخفيضات الضريبية التي اعتمدتها إدارة ترامب والتي يقدر أن تزيد حوالي 1.5 تريليون دولار أمريكي إلى الدين الحكومي على المدى الطويل (حوالي 7.5% من النتاج المحلي الإجمالي الحالي)، فإن هذه التخفيضات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة العائدات الحقيقية لسندات الخزينة طويلة الأجل بأكثر من 20 نقطة أساس.

 

chart

ثالثا، يؤدي هذا المزيج من اقتصاد مزدهر وتضخم منخفض وتخفيضات ضريبية ضخمة إلى رفع الروح المعنوية للمستهلك والشركات الأمريكية. فمقاييس ثقة المستهلك على سبيل المثال قريبة من المستويات التي لم يتم الوصول إليها إلا في ذروة طفرة التكنولوجيا في تسعينيات القرن الماضي. كما أن ثقة الشركات الصغيرة أكثر قوة، حيث بلغت أعلى مستوياتها في 45 عاماً خلال الأشهر الأخيرة. وبعد سنوات من الركود، عادت ثقة القطاع الخاص في الولايات المتحدة أخيراً. وبدوره، يؤدي ارتفاع ثقة المستهلك إلى تعزيز خطط التوظيف والإنفاق، والتالي يعمل على زيادة الازدهار أكثر.

وحتى بعد الارتفاع الأخير، لا تزال العائدات الحقيقية لسندات الخزينة لعشر سنوات دون 1.25%، أي أقل من أكثر التقديرات تشاؤماً لمعدل النمو المحتمل للاقتصاد الأمريكي. وهو عادةً يتراوح بين 1.5% و2%، لكنه، بطبيعة الحال، قد يكون أعلى بكثير على المدى القصير. وباقتران هذا الأمر مع ارتفاع الديون الفيدرالية، فإنه من الواضح أن هناك إمكانية حقيقية لارتفاع العائدات الحقيقية، ومن ثم الاسمية، لسندات الخزينة الأمريكية.

وهناك حقيقة هامة حول أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وهي أن منحنى العائد - وهو الفارق بين المعدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل - دائماً يتحوّل إلى وضع سلبي في ذروة دورة الأعمال. وقد ظلت هذه القاعدة سارية لأكثر من أربعين سنة. ولذلك ينبغي أن تعمل الذروة المتوقعة في سعر الفائدة لبنك الاحتياطي الفيدرالي كسقف فعال للعائدات طويلة الأجل.

وكما أسلفنا، فإن مداولات آخر اجتماع لبنك الاحتياطي الفيدرالي يوضح أن المعنيين بتحديد أسعار الفائدة مصممون، كما هو متوقع، على المضي قدماً في تنفيذ جولات مضطردة من رفع أسعار الفائدة بواقع 25 نقطة أساس. ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي حالياً أنه سيتم تنفيذ خمس جولات من رفع أسعار الفائدة بواقع 25 نقطة أساس حتى عام 2020، وسيؤدي ذلك بدوره إلى ارتفاع سعر الفائدة من النطاق الحالي الذي يتراوح بين 2.0% و2.25% إلى نطاق 3.25% - 3.5%. ومع استبعاد احتمال حدوث تسارع حاد في التضخم، فإنه من الصعب في هذه المرحلة توقع قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة أكثر أو أسرع من ذلك. ولذلك يمكن اعتبار نسبة 3.5% سقفاً واقعياً لعائدات سندات الخزانة لعشر سنوات، إلا في حال تغيرت توقعات التضخم للأسوأ بشكل جذري أو تم تخفيف السياسة المالية أكثر.

هل يجب علينا القلق بشأن عائدات السندات الأمريكية المرتفعة؟ بشكل أساسي، يعتبر الارتفاع في عائدات السندات خبراً جيدا، حيث يعكس تحسن أداء النمو الاقتصاد الامريكي واستمرار تعافيه بعد أن ظلَ متأثراً بالأزمة المالية العالمية لفترة طويلة. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع العائدات سوف يكون تأثيره سلبياً على تقييم الأصول، لا سيما أسواق الأسهم، حيث ترتفع معدلات الخصم. كما أن ارتفاع العائدات الحقيقية للسندات الأمريكية يدعم أيضاً استمرار قوة الدولار الأمريكي. وهذا بدوره سيبقي الضغط على تلك الأسواق الناشئة التي اقترضت بكثافة بالدولار الأمريكي وتعتمد على تدفقات رؤوس الأموال في تغطية موازين مدفوعاتها.